الرئسيةرأي/ كرونيك

اليسار…من التنسيق للتفكك، السيناريو المتكرر

عبدالرحمان الغندور

بقلم عبد الرحمان الغندور

وأنا أستحضر مرارة الانفجار الذي حدث عشية انتخابات شتنبر 2021، بين الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار، أتمنى بالمقابل أن يكون الرهان على مرشح موحد بينهما في استحقاقات شتنبر 2026 ليس مجرد إجراء تقني أو تنظيمي ينتهي عند عتبة الصناديق، بل أن يكون في جوهره معركة وعي ضد “أخطبوط الحاكمين” الذي يتقن فن بقائه عبر استراتيجية “التشتيت والتفريق”.

في معنى فعل انفعالي يركض خلف معالجة الأعراض الجانبية

أرشيفية
إن هذا التنسيق الواعد يواجه اليوم تحدياً مصيرياً يتمثل في مدى قدرة المناضلين على الانعتاق من سجن “الأنانيات الحزبية” والحسابات الضيقة التي لطالما كانت الثغرة المفضلة التي ينفذ منها الاستبداد لتفكيك أي كتلة معارضة صلبة.
فالمستبد الذكي اليوم، كما يرصده الواقع، لا يكتفي بلغة الحديد والنار، بل يغرق الساحة في سيل من “الحرائق” الجانبية والأزمات المفتعلة التي تهدف إلى ممارسة “تشتيت ذهني” للمناضلين، وتحويل فعلهم من مسار استراتيجي يطالب بتغيير بنيوي، إلى فعل انفعالي يركض خلف معالجة الأعراض الجانبية التي يرميها لهم النظام كطعم.

الخطر الحقيقي الذي يتهدد هذا الأمل اليساري يكمن في تغول “الأنا” الحزبية

إن الخطر الحقيقي الذي يتهدد هذا الأمل اليساري يكمن في تغول “الأنا” الحزبية وصراع الزعامات والمواقع، وهي الحفرة التي يحفرها الاستبداد بعناية عبر إيهام كل طرف بأن مكتسباته لا تتحقق إلا بسحق حليفه أو التميز عنه، مما يجعل التوافق على مشروع وطني جامع أمراً شبه مستحيل في ظل ثقافة التوجس.
هنا يبرز دهاء السلطة في تحويل المجتمع إلى حالة “طوارئ نفسية” دائمة، حيث يصبح همّ الفاعل السياسي هو البقاء داخل الخريطة المرسومة له، لا تغيير قواعد اللعبة ذاتها، مما قد يسقط التحالف في فخ “متلازمة ستوكهولم السياسية”، حيث يبدأ البعض في تطوير ولاء ضمني لمنظومة التحكم باعتبارها “الحكم الضروري” الذي يمنع الفوضى، رغم أنها هي المصدر الحقيقي لتلك الفوضى.

التحذير من الانزلاق نحو التفرقة والتشردم

لذلك، فإن التحذير من الانزلاق نحو التفرقة والتشردم اللذان لازمانا لعقود، هو ضرورة نضالية؛ فكلما غلبت الهويات الفرعية والمصالح الحزبية على مصلحة الوطن في التغيير، وكلما انشغل اليساريون بـ “المناوشات البينية” بدلاً من مواجهة العدو المشترك، منحوا الاستبداد فرصة أخرى للاستمرار في غطرسته.
إن استدامة السلطوية والاستبداد لا تتحقق إلا بتحويل الأزمات من استثناء إلى نمط حياة يمنع المجتمع ومكوناته الحقيقية المرتبطة بهمومه من التفكير في البديل، وهذا ما يفرض على رفاق شتنبر 2026 أن يدركوا أن خصمهم لا يراهن على هزيمتهم في الانتخابات فحسب، بل يراهن على انفجارهم من الداخل تحت وطأة الأنانيات، ليثبت للعالم مرة أخرى أن “البديل” أعجز من أن يتحد، وأن الاستبداد هو القدر الوحيد المتاح لمنع الانهيار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى