
أعاد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق، الجدل حول نزاهة العملية الانتخابية بالمغرب، بعدما فجّر معطيات مثيرة بشأن ما وصفه بانتشار “بيع التزكيات الانتخابية” داخل بعض الأحزاب السياسية، متحدثا عن حالة قيل إن ثمن التزكية فيها بلغ 700 مليون سنتيم، في واحدة من أخطر التصريحات السياسية المرتبطة بتمويل الانتخابات خلال السنوات الأخيرة.
وخلال ندوة صحفية احتضنها المقر المركزي للحزب بالرباط يوم 13 ماي 2026، خصصت لتسليط الضوء على استقالة أحمد فطري من حزب الوحدة والديمقراطية، وجّه ابن كيران رسائل مباشرة حول ما اعتبره “انحرافا خطيرا” أصاب الممارسة السياسية، قائلا إن شخصا طلب 700 مليون سنتيم مقابل تزكية انتخابية، قبل أن يُعرض عليه 500 مليون ويرفضها، مضيفا بنبرة ساخرة: “لو حيدنا منها 11 مليون سنتيم ديال أزمتك، شوف شحال غادي يبقى لك”، تاركا كلامه في العموميات دون توضيحات.
تصريحات ابن كيران لم تكن مجرد تعليق عابر، بل حملت اتهاما ضمنيا بوجود شبكات للمال الانتخابي داخل المشهد الحزبي، وهو ملف ظل لسنوات يطفو على السطح مع كل استحقاق انتخابي، دون أن يتحول إلى محاكمات سياسية أو قضائية واسعة، فبحسب تقارير رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات بعد انتخابات 2021، تم تسجيل اختلالات مرتبطة بتمويل الحملات الانتخابية وعدم تبرير مصاريف بملايين الدراهم لدى عدد من الأحزاب والمرشحين، ما يعكس هشاشة آليات الرقابة على المال السياسي.
“النظافة السياسية” في مواجهة المال
وفي معرض دفاعه عن أحمد فطري، اعتبر ابن كيران أن الأزمة المالية التي عاشها هذا الأخير “وسام شرف”، مؤكدا أن الرجل كان بإمكانه تجاوز أزمته لو اختار “الطريق السهل”، عبر بيع التزكيات أو استغلال النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب مالية، وقال مخاطبا إياه: “لو كنت بغيتي تربح الفلوس أو تبيع التزكيات أو تعمل شي حاجة طايحة، كون راك حليتي هاد المشاكل ديالك”.
و يعكس هذا الخطاب في العمق، أزمة ثقة متفاقمة بين المواطنين والأحزاب السياسية.. فوفق نتائج “البارومتر العربي” خلال السنوات الأخيرة، فإن نسب الثقة في الأحزاب بالمغرب تبقى من بين الأضعف مقارنة بمؤسسات أخرى، بينما يعتبر المال الانتخابي والزبونية من أبرز أسباب العزوف السياسي، خصوصا لدى الشباب.
اقتصاديا، تتحول التزكيات في بعض الحالات إلى استثمار انتخابي يراهن من خلاله بعض الأعيان على استرجاع الأموال المصروفة عبر مواقع النفوذ والتدبير المحلي، ما يفتح الباب أمام تضارب المصالح واستغلال الصفقات العمومية، ويرى متابعون أن تضخم كلفة الوصول إلى المؤسسات المنتخبة يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، ويقصي الكفاءات غير القادرة ماليا على دخول المنافسة السياسية.
المال والسياسة.. معركة الإصلاح المؤجلة
أعادت تصريحات ابن كيران النقاش حول فعالية القوانين المنظمة للحياة الحزبية والانتخابية، ومدى قدرة الدولة والأحزاب على محاصرة نفوذ المال داخل العملية السياسية.. فرغم تشديد القوانين على مراقبة تمويل الحملات الانتخابية، إلا أن اتهامات استعمال المال لاستقطاب المرشحين أو التحكم في التزكيات ما تزال تتكرر مع كل استحقاق انتخابي.
وفي ختام مداخلته، استحضر ابن كيران مقولة المهدي بنبركة الشهيرة: “السياسة هي سياسة الحقيقة”، في محاولة لتقديم نفسه وحزبه كطرف يواجه ما يسميه “فساد المال السياسي”، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تشديد الرقابة على تمويل الأحزاب والانتخابات، وربط المسؤولية بالمحاسبة لحماية ما تبقى من ثقة المغاربة في العمل السياسي.





