الرئسيةرأي/ كرونيك

خروف الحانة: لقاء الروحانيات

بقلم: جيهان مشكور

لم يعد الوصول إلى “حولي العيد” يحتاج ادخار شهور ولا “دْويرة” مع الكسابة، بل يكفي فقط أن تشرب عشر قنينات بيرة، وتدخل السحب، وتدعو الله يخرج اسمك في “التومبولا”.. نعم، الله يرحم الوالدين على هذا التطور الحضاري الذي نجح أخيرا في المصالحة بين كبش الأضحية و”البار” و “القمار” .

وقف خروف مربوط بعناية أمام حانة

فوسط أحد أحياء الرباط، وقف خروف مربوط بعناية أمام حانة، محروس أكثر من بعض المؤسسات العمومية، يثير فضول المارة الذين يظنون لأول وهلة أن الأمر يتعلق بمبادرة اجتماعية أو عملية تضامنية لفائدة الأسر المعوزة، قبل أن يكتشفوا أن الكبش مجرد “جائزة كبرى” في مسابقة استهلاكية شعارها : “اشرب حتى الثمالة.. واربح أضحية العيد”، في عرض بسيط حد العبث، وذكي حد الوقاحة “عشرة بارديين تدخل فالسحب”..، تشرب ما يعتبره المجتمع “حراماً”، حتى تفوز بما يعتبره “سنة مؤكدة”.. مشهد يختصر عبقرية السوق المغربي حين يختلط الدين بالاستهلاك، والعبادة بالتسويق، والحرام بخدمة الحلال.

المفارقة هنا ليست ساخرة فقط، بل مؤلمة إلى درجة المرارة .. فنفس المجتمع الذي قد يهاجم شاباً لأنه لا يصلي، أو يراقب لباس فتاة في الشارع، وجد نفسه يصفق لحانة توزع “الحولي” مقابل استهلاك الكحول، ونفس العقلية التي تعتبر الربا خطيئة كبرى، لا تجد حرجاً في شراء أضحية بقرض استهلاكي بفوائد قاتلة، أو في “السرقة ” فقط من أجل الحفاظ على صورة اجتماعية موسمية عنوانها: “المهم ندخلو العيد بكبش”.

عيد الأضحى يتحول إلى سباق استهلاكي

وفق معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، فإن أسعار اللحوم والأغنام عرفت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعات متتالية بفعل الجفاف وغلاء الأعلاف وتراجع القطيع الوطني، علاوة على سوء التسيير الحكومي أو بتعبير أدق تسيير لفائدة الاقلية في موروكو مقابل هشاشة المواطن في المغرب، وسط هذا الواقع، صار “الحولي” عند فئات واسعة مشروع “هيبة اجتماعية”.أكثر منه شعيرة دينية.

وهنا دخلت الحانات على الخط، ليس حباً في الدين طبعا، بل لأن السوق لا يضيع الفرص، فإذا كانت محلات كبرى تستغل رمضان لتسويق تمر و سجادات الصلاة، فلماذا لا تستغل الحانات أزمة الأضاحي لترويج البيرة؟ الرأسمالية لا تؤمن بالحلال والحرام، بل تؤمن فقط بنسبة الأرباح آخر الشهر.

منطق السوق أقوى من الوعظ

والأكثر سخرية أن الإقبال كان كبيراً، بحسب شهادات من عين المكان، إلى درجة أن المبادرة تحولت إلى منافسة بين الحانات نفسها، بعدما سارعت محلات أخرى لاستنساخ الفكرة وعرض أكباشها أمام الأبواب مثل سيارات فاخرة في صالون تجاري.. وكأننا أمام “دوري وطني للأضاحي الكحولية”، حيث يفوز الأكثر قدرة على تحويل الضائقة الاجتماعية إلى رقم معاملات.

في النهاية، لسنا أمام قصة “تومبولا” عابرة، بل أمام مرآة قاسية لوضع اقتصادي خانق، ونفاق اجتماعي مزمن، لمجتمع يستهلك الدين أكثر مما يمارسه، ويبحث عن المظهر ولو عبر أبواب تناقض قناعاته المعلنة.. المهم أن يصل الكبش إلى البيت، أما الطريق إليه، فالله غفور رحيم… والماركتينغ أرحم من الدولة أحياناً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى