الرئسيةحول العالم

إخباري تحليلي..التصعيد المدروس بين إيران وأمريكا

تشهد المنطقة مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، في وقت تتحرك فيه قوى إقليمية، أبرزها باكستان وقطر، لمحاولة احتواء الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.

تمسك إيران بموقفها الصلب حيال الضغوط الأميركية

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، خلال لقائه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران، لتعكس تمسك إيران بموقفها الصلب حيال الضغوط الأميركية، ورسالة واضحة بأن طهران تعتبر نفسها في موقع استعداد للمواجهة وليس التراجع.

وأكد قاليباف أن إيران “لن تتنازل عن حقوق أمتها وبلدها”، مشيراً إلى أن القوات المسلحة الإيرانية أعادت بناء قدراتها خلال فترة وقف إطلاق النار، في إشارة تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية في آن واحد.

طهران تريد إيصال رسالة مزدوجة

فطهران تريد إيصال رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل الإيراني بأن المؤسسة السياسية والعسكرية ما تزال متماسكة رغم الضغوط، والثانية إلى واشنطن بأن أي تصعيد جديد لن يكون محدود الكلفة، بل قد يقود إلى تداعيات “أكثر دماراً”، بحسب تعبيره.

وتأتي هذه التصريحات في ظل معلومات متزايدة عن نقاشات داخل الإدارة الأميركية بشأن احتمال العودة إلى الخيار العسكري.

إذ نقل موقع “أكسيوس” عن مصادر مطلعة أن الرئيس الأميركي يدرس بجدية توجيه ضربات جديدة ضد إيران إذا فشلت المفاوضات الجارية في تحقيق اختراق سريع.

كما تحدثت المصادر عن اجتماع عقده فريق الأمن القومي الأميركي لبحث تطورات الحرب والخيارات المتاحة، ما يعكس حجم القلق داخل واشنطن من استمرار حالة الاستنزاف السياسي والعسكري.

المؤشرات الدبلوماسية الحالية لا توحي بقرب التوصل إلى تسوية شاملة

غير أن المؤشرات الدبلوماسية الحالية لا توحي بقرب التوصل إلى تسوية شاملة. فبحسب مسؤولين أميركيين وإيرانيين، ما تزال المفاوضات معقدة ومليئة بالعقبات، فيما تتبادل الأطراف مسودات تفاوض بصورة شبه يومية دون إحراز تقدم جوهري.

ويكشف ذلك أن الخلاف لم يعد مقتصراً على ملفات تقنية أو مرحلية، بل يتعلق برؤية أوسع للأمن الإقليمي وترتيبات النفوذ في الخليج والشرق الأوسط.

ومن جهتها، خففت طهران سقف التوقعات بشأن إمكان تحقيق اتفاق سريع. فقد وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الخلافات مع الولايات المتحدة بأنها “عميقة وكبيرة”، نافياً أن تكون زيارة قائد الجيش الباكستاني مؤشراً على قرب التوصل إلى اتفاق.

تبرز باكستان وقطر كقناتين أساسيتين للوساطة

ويعكس هذا الموقف حرص إيران على تجنب إظهار أي استعجال سياسي قد يُفسَّر على أنه ضعف تفاوضي، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها.

وفي المقابل، تبرز باكستان وقطر كقناتين أساسيتين للوساطة بين طهران وواشنطن. فقد أجرى وفد قطري محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بينما أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن إسلام آباد لا تزال تلعب دور الوسيط الرئيسي في الاتصالات الجارية.

ويشير ذلك إلى إدراك إقليمي متزايد بأن أي انفجار عسكري واسع ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة العالمي، وعلى استقرار الممرات البحرية، خصوصاً مضيق هرمز الذي يبقى إحدى أكثر النقاط حساسية في العالم.

وتكشف المعطيات الحالية أن الأولوية المشتركة للأطراف الدولية والإقليمية تتمثل في منع توسع الحرب قبل الانتقال إلى معالجة الملفات الأكثر تعقيداً، مثل الترتيبات الأمنية طويلة الأمد، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، وضمان أمن الملاحة البحرية. إلا أن استمرار الخلافات حول هذه القضايا يجعل أي اتفاق نهائي هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.

تبدو المنطقة أمام سيناريوهين رئيسيين

وفي هذا الإطار، تبدو المنطقة أمام سيناريوهين رئيسيين: إما نجاح الوساطات في فرض تهدئة مؤقتة تسمح بإعادة إطلاق مسار تفاوضي طويل وشاق، أو فشل الجهود الدبلوماسية بما يدفع نحو جولة تصعيد جديدة قد تكون أكثر اتساعاً وخطورة من سابقاتها.

كما أن دخول أطراف إقليمية متعددة على خط الوساطة يعكس إدراكاً متنامياً بأن الصراع لم يعد شأناً ثنائياً بين واشنطن وطهران، بل أصبح أزمة إقليمية مفتوحة قد تؤثر على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي وموازين القوى في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

وفي المحصلة، فإن المشهد الحالي لا يشير إلى سلام قريب بقدر ما يعكس “إدارة للأزمة” ومحاولة لمنع الانفجار الشامل. فإيران تسعى إلى تثبيت معادلة الردع وعدم تقديم تنازلات استراتيجية، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على الضغط العسكري والسياسي دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.

وبين هذين المسارين، تتحرك الوساطات الإقليمية في مساحة ضيقة، حيث قد يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى مواجهة يصعب احتواؤها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى