الرئسيةتحقيقسياسة

الحيرش: دعم الماشية والنقل.. أين اختفى الأثر؟

تحرير وحوار: بثينة المكودي

تواجه الأوساط المهنية والاقتصادية داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM) موجة متصاعدة من المساءلة، بعد صدور معطيات وتحقيقات استقصائية كشفت عن تباين حاد ونقاط اختلاف جوهرية بين الخطاب الذي يقدمه بعض الفاعلين الاقتصاديين بشأن أسباب ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، وبين الأرقام الرسمية والوثائق الصادرة عن مؤسسات الدولة.

ولم يعد الجدل المرتبط بما بات يعرف بملف “الفراقشية” مقتصراً على حجم الدعم العمومي الذي خصص لاستيراد الأغنام والأبقار والإعفاءات الضريبية والجمركية المرتبطة به، بل امتد إلى طبيعة النفوذ الذي راكمته شبكات اقتصادية ومهنية داخل القطاع، وإلى الأدوار التي تلعبها هيئات وتنظيمات مهنية يفترض فيها تمثيل القطاع والدفاع عن مصالحه، لكنها أصبحت بدورها جزءاً من النقاش الدائر حول تدبير الدعم والقدرة الشرائية للمغاربة.

خطابات “الغلاء” في مواجهة لغة الأرقام

في قلب هذا الجدل، تبرز التصريحات الأخيرة لأحد الفاعلين البارزين داخل القطاع، المدعو “شوقي”، الذي دأب على تبرير استمرار ارتفاع أسعار اللحوم بالحديث عن غلاء الأعلاف وتكاليف النقل والمدخلات الإنتاجية.

غير أن التحقيق الاستقصائي الذي أنجزه الصحافي يوسف الحيرش ضمن العدد الأخير من مجلة “ملفات”، تحت عنوان “حكومة اللوبيات.. 76 مليار درهم من الدعم العمومي في مهب الريح”، واجه هذه المبررات بمعطيات وأرقام رسمية ووثائق استيراد وفواتير ميدانية ومعطيات صادرة عن إدارة الجمارك ومكتب الصرف ووزارة الفلاحة.

ويكشف التحقيق أن أسعار عدد من المدخلات الأساسية، وعلى رأسها الذرة وفول الصويا والحبوب الموجهة للأعلاف، عرفت تراجعاً ملحوظاً خلال سنتي 2024 و2025 وعادت في كثير من الحالات إلى مستويات قريبة من تلك التي كانت سائدة قبل أزمة 2022، في حين ظلت أسعار الأعلاف المركبة محلياً مرتفعة دون انخفاض مماثل، ما يطرح تساؤلات جدية حول آليات التسعير وهوامش الربح داخل القطاع.

كما تشير البيانات الرسمية الخاصة بالاستيراد إلى أن أسعار اللحوم المستوردة لم تكن بالارتفاع الذي يتم الترويج له في الخطاب المهني، وهو ما يضع مبررات “الغلاء المستمر” في مواجهة مباشرة مع الأرقام الموثقة قانونياً وإحصائياً.

الدعم الحكومي للنقل والأعلاف.. أين الأثر؟

ولم يقتصر التناقض على ملف الأسعار، بل امتد إلى ملف الدعم العمومي الذي ضخته الدولة خلال السنوات الأخيرة.

فوفق المعطيات الواردة في التحقيق، استفاد قطاع النقل من دعم مالي مباشر تجاوز مليارات الدراهم بهدف التخفيف من آثار ارتفاع أسعار المحروقات وضمان استقرار كلفة النقل والأسعار النهائية للمنتجات. كما استفاد قطاع تربية الماشية من برامج دعم الأعلاف والإعفاءات الجمركية وتسهيلات الاستيراد.

ورغم ذلك، لم ينعكس هذا المجهود المالي الضخم على الأسواق بالشكل المنتظر، إذ استمرت أسعار اللحوم في مستويات مرتفعة، فيما ظل المواطن يتحمل العبء الأكبر من موجة الغلاء.

ويرى متابعون أن استمرار بعض الفاعلين في تبرير ارتفاع الأسعار رغم حجم الدعم الممنوح للقطاع، يشكل في حد ذاته مؤشراً على وجود خلل في تدبير هذه الموارد العمومية أو في آليات مراقبة آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

الفراقشية.. شبكة مصالح تتجاوز الاستيراد

ويذهب تحقيق يوسف الحيرش إلى أبعد من تتبع مسارات الدعم، إذ يرسم صورة متكاملة لبنية النفوذ داخل قطاع اللحوم الحمراء، مشيراً إلى أن ما يعرف بـ”الفراقشية” لا يقتصر على مستوردي الأغنام والأبقار، بل يمتد إلى شبكة واسعة تضم كبار المربين وشركات الأعلاف المركبة وبعض الفيدراليات والتنظيمات المهنية التي تجمع تحت سقف واحد المستورد والمنتج والموزع.

وبحسب التحقيق، فإن هذه التركيبة تمنح الفاعلين الكبار قدرة كبيرة على التأثير في النقاش العمومي وفي القرارات المرتبطة بالسوق والأسعار والدعم العمومي، ما يجعل أي نقاش حول شروط الاستفادة من الدعم أو آليات المراقبة والتتبع يصطدم في كثير من الأحيان بتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية.

شبهات الزبونية السياسية

وتأخذ القضية أبعاداً أكثر حساسية مع استمرار الجدل حول كيفية توزيع الدعم العمومي الموجه لمواجهة الأزمة.

وتفيد معطيات متقاطعة بأن جزءاً من الانتقادات الموجهة لهذا الملف يرتبط بغياب الشفافية الكافية بشأن معايير الاستفادة وهوية المستفيدين الحقيقيين من بعض برامج الدعم، وسط مطالب متزايدة بتعزيز الرقابة وربط الدعم العمومي بالأثر الاقتصادي والاجتماعي المحقق على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الاتحاد العام لمقاولات المغرب باعتباره الإطار الذي يحتضن عدداً من الفاعلين الاقتصاديين المعنيين بهذه الملفات، ما يضعه أمام مسؤولية تقديم توضيحات للرأي العام بشأن كيفية ضمان تكافؤ الفرص والشفافية داخل القطاعات التي يمثلها.

يوسف الحيرش لـ”دابا بريس”: المشكلة ليست في الدعم بل في أثره

وفي تصريح خص به “دابا بريس”، أكد الصحافي الاستقصائي يوسف الحيرش أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ الدعم العمومي في حد ذاته، بل في غياب الأثر الملموس لهذا الدعم على الأسعار النهائية التي يؤديها المواطن.

وأوضح الحيرش أن الوثائق والمعطيات التي اعتمد عليها التحقيق تكشف وجود تناقض واضح بين الخطاب الذي يبرر استمرار ارتفاع أسعار اللحوم والأعلاف وبين الأرقام الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة، مضيفاً أن التحقيق استند إلى فواتير ووثائق استيراد وبيانات رسمية صادرة عن إدارة الجمارك ومكتب الصرف ووزارة الفلاحة، وهي معطيات تظهر أن عدداً من المدخلات الأساسية عرفت تراجعاً ملحوظاً خلال 2024 و2025، بينما ظلت الأسعار مرتفعة داخل السوق الوطنية.

وأضاف أن الدولة ضخت مليارات الدراهم في شكل دعم مباشر وإعفاءات ضريبية وجمركية وتسهيلات مختلفة لفائدة المتدخلين في السلسلة الإنتاجية، من مستوردي المواشي إلى شركات الأعلاف والنقل، غير أن المستهلك المغربي لم يلمس الأثر المفترض لهذا الدعم على مستوى الأسعار.

وأكد الحيرش أن التحقيق كشف كذلك عن تمركز النفوذ الاقتصادي داخل القطاع في يد عدد محدود من الفاعلين، مشيراً إلى أن بعض الهيئات المهنية التي يفترض أن تدافع عن مصالح القطاع ككل تضم في صفوفها المستورد والمنتج والموزع في الوقت نفسه، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة حول تضارب المصالح وآليات التأثير في القرارات المرتبطة بالسوق والدعم العمومي.

ضرورة إخضاع مختلف المتدخلين لمبادئ الشفافية والمساءلة

وختم بالقول إن النقاش اليوم لم يعد يتعلق فقط بمن استفاد من الدعم، بل بمدى نجاعة السياسات العمومية التي رافقته، وبضرورة إخضاع مختلف المتدخلين لمبادئ الشفافية والمساءلة وربط أي دعم عمومي بنتائج ملموسة تنعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين. وأضاف أن السؤال الجوهري الذي يطرحه التحقيق هو كيف يمكن تبرير استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة رغم تراجع عدد من المدخلات الأساسية، ورغم الإعفاءات الجمركية والضريبية والدعم المالي الذي ضخته الدولة لفائدة مختلف حلقات سلسلة الإنتاج؟ مؤكداً أن المواطن المغربي من حقه أن يعرف أين ذهبت الأموال العمومية التي صُرفت باسم حماية قدرته الشرائية، ولماذا لم ينعكس أثرها بشكل واضح على أسعار اللحوم والأعلاف في الأسواق.

وشدد الحيرش على أن المرحلة المقبلة تستدعي فتح نقاش عمومي مبني على الأرقام والوثائق بعيداً عن الخطابات التبريرية، مع تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة لضمان عدم تحول الدعم العمومي إلى ريع تستفيد منه فئات محدودة على حساب المصلحة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى