
خرج نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، بتصريحات بدت أقرب إلى لائحة اتهام موجهة إلى الحكومة التي يشارك فيها، أكثر منها مجرد مداخلة حزبية حول غلاء الأسعار..
فالمعطيات التي قدمها خلال اللقاء الموضوعاتي لرابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بالدار البيضاء حول حماية الأسر المغربية من الغلاء، نسفت عمليا الخطاب الرسمي الذي دأب على التأكيد بأن التضخم تحت السيطرة وأن الإجراءات الحكومية نجحت في حماية القدرة الشرائية للمغاربة.
أرقام صادمة تكشف الوجه الحقيقي للأزمة
استناداً إلى معطيات المندوبية السامية للتخطيط، أكد بركة أن 75% من الأسر المغربية تشعر بتراجع قدرتها الشرائية، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2.5% فقط، وهي أرقام تعكس واقعاً اجتماعياً مقلقاً و تكشف هشاشة اقتصادية متزايدة داخل المجتمع المغربي.
والأكثر دلالة أن تراجع التضخم لم ينعكس على حياة المواطنين، فالأرقام الحكومية قد تتحدث عن انخفاض المؤشرات العامة للأسعار، لكن المواطن يقيس الواقع بما يدفعه يومياً في الأسواق.. وعندما تلتهم المواد الغذائية ما بين 45 و50% من ميزانية الأسر الفقيرة، يصبح الحديث عن تحسن المؤشرات الاقتصادية أقرب إلى لغة التقارير منه إلى واقع الأسر.
الغلاء ليس قدرا.. بل نتيجة اختلالات هيكلية
ورغم إشارة بركة إلى تأثيرات الجفاف والحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الدولية، فإنه وجّه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى الاختلالات الداخلية التي تسمح بتحويل الأزمات إلى فرص للربح السريع.
فالمعطيات التي كشفها تؤكد أن ما بين 35 و45% من الخضر والفواكه لا تمر عبر أسواق الجملة، ما يعني وجود قنوات موازية للتسويق تفتقد للشفافية وتُصعّب مراقبة الأسعار، كما أن دراسة لمجلس المنافسة أظهرت أن الوسطاء يستحوذون على ما بين 34 و50% من السعر النهائي للمنتجات، في مفارقة تجعل الفلاح يشتكي من ضعف العائد، بينما يئن المستهلك تحت وطأة الأسعار المرتفعة.
وهنا يبرز السؤال المحرج: إذا كانت الحكومة تدرك هذه الاختلالات منذ سنوات، فلماذا استمرت دون إصلاح جذري؟ وكيف يمكن الحديث عن نجاح السياسات الاقتصادية في وقت ما تزال فيه حلقات الوساطة والريع تتحكم في جزء كبير من السوق؟
كما أن الدعوة إلى إحداث شركات جهوية للتخزين والتوزيع ومرصد وطني لتتبع هوامش الربح تطرح تساؤلا سياسيا أكبر: لماذا لم تُفعّل هذه الآليات قبل أن تصل القدرة الشرائية للمغاربة إلى هذا المستوى من التآكل؟
السيادة الغذائية بين الشعارات والواقع
لم يكتف بركة بتشخيص الأزمة، بل ربطها أيضاً باختيارات فلاحية باتت تثير الكثير من الجدل. فمع توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية، أصبحت مسألة التوفيق بين التصدير وتأمين حاجيات السوق الوطنية تحدياً حقيقياً.
وتشير بيانات رسمية إلى أن القطاع الفلاحي يستهلك أكثر من 80% من الموارد المائية المتاحة، ما يجعل أي سياسة للأمن الغذائي مرتبطة بشكل مباشر بحسن تدبير الماء وبإعادة ترتيب أولويات الإنتاج الوطني.
انتقاد مبطن لأخنوش أم بداية حملة انتخابية مبكرة؟
سياسياً، يصعب فصل تصريحات بركة عن السياق الانتخابي الذي بدأ يلوح في الأفق، فحين يعترف أحد أبرز قادة الأغلبية بأن الأسواق تعاني اختلالات مزمنة وأن الوسطاء يلتهمون جزءاً كبيراً من القيمة المضافة وأن القدرة الشرائية للمغاربة تتآكل، فإنه يوجه عملياً رسالة مفادها أن الحصيلة الحكومية المعلنة لا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض.
لقد بدا الأمين العام لحزب الاستقلال وكأنه يعلن من داخل سفينة الأغلبية أن أزمة الغلاء ليست قدرا محتوما فرضته الظروف الدولية فقط، بل نتيجة تراكمات واختيارات وسياسات سمحت للريع والوساطة والفوضى التسويقية بأن تتحول إلى عبء يومي يدفع ثمنه ملايين المغاربة، بينما تستمر الحكومة في تسويق مؤشرات لا تجد طريقها إلى موائد المواطنين ولا إلى جيوبهم المنهكة، في مؤشر جديد على أن معركة 2026 الانتخابية بدأت فعلياً من داخل الأغلبية نفسها.
خطاب سياسي تضليلي
كيف يمكن لوزير وأمين عام حزب ظل طوال الولاية الحكومية جزءا أساسيا من الأغلبية، وصوت فريقه البرلماني على مختلف مشاريعها، ورفض تعديلات المعارضة، وعارض بشدة كل المبادرات الرقابية والسياسية التي انتقدت الغلاء والاحتكار والوسطاء، أن يكتشف فجأة في الأشهر الأخيرة من عمر الحكومة حجم الاختلالات التي يتحدث عنها اليوم؟
هذا التحول المتأخر لا يحرج الحكومة فقط ويظهر هشاشتها هي الأخرى في بنية النظام السياسي وسيتام الحكم، بل يضرب الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي، لأنه يوضح بأن بعض الأحزاب لا تتحدث بلغة المسؤولية أثناء التدبير لا الحكم، بل بلغة الحملة الانتخابية عندما تقترب الانتخابات.
المشكلة الأعمق أن عددا من الأحزاب، ومنها حزب الاستقلال، يتصرف وكأن الناخب الحقيقي ليس المواطن بقدر ما هي شبكات النفوذ وقوة الأعيان التي أصبحت فاعلا حاسما في المعادلة الانتخابية، لذلك دعمت هذه الأحزاب، وهي في مواقع التدبير، سياسات وقوانين استفادت منها مراكز النفوذ الاقتصادي والانتخابي أكثر مما استفاد منها المواطن العادي.
وعندما تقترب الاستحقاقات الانتخابية، يتحول الخطاب فجأة إلى الدفاع عن القدرة الشرائية ومحاربة الغلاء، رغم أن كثيراً من القرارات التي ساهمت في تكريس هذا الواقع مرت بدعمها ومساندتها داخل الحكومة والبرلمان.





