اقتصادالرئسية

أزمة الأسمدة تدفع أوروبا نحو حلول غير تقليدية

تتجه بعض الدول الأوروبية اليوم إلى مقاربة غير مألوفة لكنها شديدة الواقعية: تحويل البول البشري، بعد تنقيته وتعقيمه، إلى مصدر للنيتروجين والفوسفور في الزراعة.

وتبرز شركة “فونا نكسس” ضمن هذا المسار عبر تطوير نظام ينتج سمادًا سائلًا يحمل اسم “أورين”، وهو مشروع يقوم على منطق بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته: ما يُهدر في شبكات الصرف يمكن أن يعود إلى الحقول كمدخل إنتاجي ثمين.. وتؤكد الشركة أن هذا السماد مُعتمد رسميًا في سويسرا وليختنشتاين والنمسا، وأنه يوجد في السوق منذ سنوات، ما يمنح الفكرة بعدًا تطبيقيًا لا يقتصر على المختبرات.

وتوضح الدراسات العلمية أن البول البشري يحتوي وحده على نحو 90% من النيتروجين و50% من الفوسفور الذي يفرزه الإنسان، ما يجعله موردا ثمينا غالبا ما يتم التخلص منه عبر شبكات الصرف الصحي بدل استثماره في الإنتاج الزراعي.

أمن غذائي جديد في زمن الأزمات

تكتسب هذه التقنية أهميتها السياسية والاقتصادية من كون الاتحاد الأوروبي لا يزال يعتمد على الاستيراد لتأمين جزء كبير من حاجته إلى الأسمدة المعدنية؛ إذ تقدر المفوضية الأوروبية أن نحو “30% من الطلب الأوروبي على أسمدة النيتروجين” و”70% من الحاجات الفوسفاتية” تُغطى عبر الواردات، وفي سياق أسعار متقلبة وسلاسل توريد هشة، يصبح كل ابتكار يخفف الارتهان للخارج جزءًا من نقاش أوسع حول السيادة الغذائية والاستقلال الاستراتيجي، كما أن إنتاج الأسمدة النيتروجينية في أوروبا يرتبط بشدة بالغاز الطبيعي، ما يجعل القطاع حساسًا للصدمات الجيوسياسية وارتفاع كلفة الطاقة.

أرقام تكشف حجم الرهان

تشرح الأرقام الأوروبية الأخيرة لماذا يحظى هذا البديل بالاهتمام.. فقد بلغ استهلاك الاتحاد من الأسمدة المعدنية في 2023 حوالي 9.3 ملايين طن، منها 8.3 ملايين طن من الأسمدة النيتروجينية و0.9 مليون طن من الفوسفورية، وفق يوروستات، وفي 2022 كان الاستهلاك أعلى قليلًا عند 9.8 ملايين طن، لكنه تراجع بوضوح بعد موجة ارتفاع الأسعار المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا، هذا الانخفاض لا يعكس فقط ضغط الكلفة، بل يكشف أيضًا قابلية السوق الأوروبية لتقبل حلول أكثر محلية ودائرية إذا كانت قادرة على المنافسة السعرية.

مكاسب بيئية واقتصادية تتجاوز الزراعة

لا تقتصر أهمية هذه التقنية على إنتاج الأسمدة فحسب، بل تمتد إلى تقليص الضغط على محطات معالجة المياه العادمة. فرغم أن البول لا يمثل سوى 1% من حجم المياه العادمة، فإنه يحتوي على ما يصل إلى 80% من المركبات التي تتطلب المعالجة، بما في ذلك النيتروجين والفوسفور وبقايا الأدوية، وبالتالي فإن فصله ومعالجته عند المصدر يساهم في خفض التلوث المائي وتقليل استهلاك الطاقة اللازمة لمعالجة المياه.

بين الاستدامة والكلفة: تحديات اجتماعية واقتصادية أمام الانتشار

رغم جاذبية الفكرة بيئيًا، تواجه المبادرة تحدياً اجتماعياً وثقافياً مرتبطاً بتقبل المستهلكين والمزارعين لفكرة استخدام منتجات مشتقة من الفضلات البشرية، رغم تأكيد الخبراء أن عمليات المعالجة الحديثة تضمن سلامة المنتج وخلوه من الملوثات، كما يبقى العائق الاقتصادي حاضرًا بقوة، فالتقنية تتطلب تنقية وتعقيمًا وتجهيزات صناعية تجعل كلفة الإنتاج أعلى من الأسمدة التقليدية في الوقت الراهن.

ومع ذلك، فإن الرهان لا يقتصر على السعر المباشر، بل يشمل تقليص التلوث، وتخفيف الضغط على الموارد الطبيعية، وتقليل الاعتماد على الواردات البعيدة، وتؤكد التجربة البحثية الأوروبية أن البول البشري يحتوي أصلًا على عناصر غذائية مهمة للنبات، وأن تطويره كسماد يدخل ضمن اقتصاد دائري يعيد تعريف العلاقة بين المدينة والريف، وبين الاستهلاك والإنتاج، هنا، لا تبدو “أورين” مجرد تجربة تقنية، بل إشارة إلى تحول أوروبي أوسع نحو زراعة أكثر استقلالًا وأقل تبعية وأكثر ذكاءً في إدارة الموارد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى