
حين تصبح كرة القدم ضحية الصراعات الرقمية
بقلم: بثينة المكودي
في الأصل، وُجدت مواقع التواصل الاجتماعي لتقريب المسافات بين الناس وتسهيل تبادل الأفكار والثقافات، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى منصات لتأجيج الخلافات ونشر خطاب الكراهية، خاصة بين شعوب الدول التي تعرف توترات سياسية أو تاريخية، فبمجرد وقوع حدث سياسي أو رياضي، تنطلق موجات من التعليقات المتشنجة التي تتجاوز النقاش الموضوعي لتصل إلى الإساءة الجماعية والتحريض المتبادل.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الكراهية لا تبقى محصورة في المجال السياسي، بل تمتد إلى مجالات أخرى يفترض أن تكون فضاءات للمتعة والتنافس الشريف، وعلى رأسها كرة القدم.
كرة القدم من منافسة رياضية إلى معركة افتراضية
كانت كرة القدم دائماً وسيلة لتقريب الشعوب وتجاوز الخلافات، غير أن مواقع التواصل الاجتماعي حولت العديد من المباريات إلى ساحات صراع رقمي، فقبل أي مواجهة أو بطولة، تمتلئ المنصات بمنشورات ساخرة واستفزازية، لتتحول نتائج المباريات إلى ذريعة لتبادل الإهانات والتنمر على شعوب بأكملها.
وفي منطقة المغرب العربي، برز هذا الأمر بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت المباريات والإنجازات الرياضية مادة يومية للتراشق الإلكتروني بين بعض المغاربة والجزائريين والتونسيين، ولم يعد النقاش مقتصراً على الأداء الرياضي، بل أصبح يستحضر الخلافات السياسية والتاريخية في كل مناسبة، حتى وإن تعلق الأمر بمباراة لكرة القدم أو تتويج رياضي.
الخوارزميات تغذي الصراع
تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات تفضل المحتوى الذي يثير الجدل ويحقق أكبر قدر من التفاعل، ولذلك تنتشر بسرعة المنشورات المستفزة والمقاطع الساخرة والتعليقات العدائية، بينما يختفي صوت العقل والدعوات إلى التهدئة.
ومع مرور الوقت، يعتقد المستخدم أن هذه الأصوات المتطرفة تمثل الرأي العام بأكمله، في حين أن الواقع مختلف تماماً، إذ إن الأغلبية من المواطنين لا تحمل هذه المشاعر العدائية تجاه الشعوب الأخرى.
المغرب والجزائر وتونس… شعوب أقرب مما يبدو
رغم ما يظهر على الشاشات والهواتف من سجالات يومية، فإن الواقع يؤكد أن شعوب المغرب والجزائر وتونس ومصر تتقاسم تاريخاً وثقافة ولهجات وعادات متقاربة، بل إن روابط القرابة والعلاقات الإنسانية بين أبناء هذه الدول أكبر من أن تمحوها تعليقات غاضبة أو منشورات تحريضية.
لكن مواقع التواصل الاجتماعي نجحت في خلق صورة مشوهة للعلاقة بين هذه الشعوب، حتى أصبح البعض يعتقد أن العداء هو القاعدة، بينما الحقيقة أن الكراهية غالباً ما تصنعها أقلية صاخبة تجد في الاستفزاز وسيلة لجلب التفاعل والانتشار.
مسؤولية المستخدم قبل المنصة
لا يمكن تحميل المنصات الرقمية وحدها مسؤولية هذا الوضع، فالمستخدم أيضاً يتحمل جزءاً من المسؤولية عندما يشارك محتويات مسيئة أو يساهم في نشر الأخبار الزائفة والشائعات والتحريض.
فالخلافات السياسية قد تستمر أو تنتهي، ونتائج المباريات قد تتغير من موسم إلى آخر، لكن ما يبقى هو العلاقة بين الشعوب. لذلك يصبح من الضروري التمييز بين المنافسة الرياضية والخلاف السياسي من جهة، وبين احترام الشعوب وكرامتها من جهة أخرى.
لقد جعلت مواقع التواصل الاجتماعي العالم قرية صغيرة، لكن هذه القرية أصبحت في كثير من الأحيان مسرحاً للكراهية وسوء الفهم، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل نريد لهذه المنصات أن تبقى أداة لتوسيع الانقسامات بين الشعوب، أم أن الوقت قد حان لاستعمالها جسراً للحوار والتقارب، خاصة بين شعوب المغرب العربي التي يجمعها من التاريخ والمصير المشترك أكثر مما يفرقها؟





