
شهد المشهد الحزبي والانتخابي في المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة أعادت إلى الواجهة أسئلة الثقة في المؤسسات السياسية وفعالية الوساطة الحزبية.
وفي هذا السياق، يقدم تقرير حديث أصدره المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة قراءة تحليلية لمسار الحياة السياسية بالمملكة، مستندا إلى ستة عقود من التجربة الانتخابية، من أجل استشراف ملامح الديمقراطية المغربية في أفق سنة 2035، ورصد أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب والمؤسسات التمثيلية.
أزمة الوساطة، والفئة الصامتة، ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035
ويرى التقرير، الموسوم بـ”المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب: أزمة الوساطة، والفئة الصامتة، ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035″، أن الأزمة الراهنة لا ترتبط بعزوف المغاربة عن السياسة بقدر ما تعكس تراجعا في الثقة تجاه المؤسسات الحزبية التقليدية، مقابل بروز أنماط جديدة للمشاركة يقودها الشباب عبر الفضاء الرقمي والمبادرات المدنية.
ويبرز التقرير أن الشباب المغربي لم ينسحب من النقاش العمومي، بل أعاد تشكيل أدوات حضوره السياسي خارج القنوات الحزبية التقليدية، حيث أصبحت قضايا التعليم والتشغيل والبيئة والعدالة الاجتماعية تحظى بحضور واسع في النقاشات الرقمية، من خلال حملات ومبادرات تناقش السياسات العمومية وتقترح بدائل، وهو ما يعكس انتقالا في أشكال المشاركة أكثر من كونه انسحابا من الشأن العام.
لم يتجاوز عدد المصوتين 8.8 ملايين ناخب أي 34.9 في المائة
وعلى مستوى المشاركة الانتخابية، يكشف التقرير عن فجوة كبيرة بين عدد المواطنين المؤهلين قانونيا للتصويت وعدد المشاركين فعليا في الانتخابات التشريعية لسنة 2021. فبينما بلغ عدد من يحق لهم التصويت حوالي 25.23 مليون مواطن، لم يسجل في اللوائح الانتخابية سوى 17.51 مليون، في حين لم يتجاوز عدد المصوتين 8.8 ملايين ناخب، أي ما يعادل 34.9 في المائة فقط من مجموع المؤهلين.
وبحسب التقرير، فإن أكثر من 16 مليون مواطن ظلوا خارج العملية الانتخابية، إما بسبب عدم التسجيل أو الامتناع عن التصويت رغم التسجيل، وهو ما يعتبره مؤشرا على أزمة انخراط تتجاوز بعدها العددي لتطرح إشكالات تتعلق بمدى قوة الشرعية التمثيلية للمؤسسات المنتخبة.
وفي المقابل، يشدد التقرير على ضرورة التعامل بحذر مع هذه الأرقام، لكون قاعدة المؤهلين للتصويت تضم فئات يصعب عليها المشاركة عمليا، وعلى رأسها جزء من مغاربة العالم، ما يجعل الفجوة مؤشرا على ضعف الانخراط الانتخابي أكثر من كونها دليلا قاطعا على عزوف إرادي شامل.
تراجع الثقة في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير ملموس في السياسات العمومية
ولا يعزو التقرير هذا الوضع إلى سبب واحد، بل يربطه بتراكم عوامل سياسية ومؤسساتية واجتماعية، أبرزها تراجع الثقة في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير ملموس في السياسات العمومية وتحسين الأوضاع المعيشية، إلى جانب شعور فئات واسعة بأن نتائج الاقتراع لا تنعكس بالضرورة على حياتها اليومية.
ويستند التقرير في هذا التشخيص إلى نتائج “الباروميتر العربي”، التي تشير إلى أن الثقة في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 18 في المائة، مقابل 38 في المائة للبرلمان و33 في المائة للحكومة، في حين يظل التأييد للنظام البرلماني التعددي مرتفعا عند حدود 68 في المائة، بما يعكس أن الأزمة تتركز أساسا في أداء الأحزاب أكثر من ارتباطها بفكرة الديمقراطية ذاتها.
سجلت أدنى نسبة مشاركة سنة 2007
كما يرصد التقرير التطور التاريخي للمشاركة الانتخابية عبر أربع مراحل رئيسية. فقد تميزت مرحلة التأسيس، الممتدة بين 1956 و1970، بمعدلات مشاركة مرتفعة ارتبطت بحماس بناء الدولة الوطنية، بينما عرفت مرحلة السبعينيات والثمانينيات تراجعا بفعل التوترات السياسية وضعف الثقة في نزاهة العملية الانتخابية.
أما مرحلة الانفتاح السياسي منذ التسعينيات إلى 2011، فرغم ما حملته من إصلاحات وتجربة التناوب، فقد سجلت أدنى نسبة مشاركة سنة 2007، والتي لم تتجاوز 37 في المائة.
ويعتبر التقرير أن نسبة المشاركة المسجلة في انتخابات 2021، والبالغة 50.35 في المائة، لا تعني بالضرورة استعادة الثقة، بقدر ما ارتبطت بتغييرات تقنية وقانونية همت طريقة احتساب النتائج انطلاقا من اللوائح الانتخابية المسجلة، وليس من مجموع المواطنين المؤهلين للتصويت.
تراجع الحزب الذي تصدر انتخابات 2016 من 125 مقعدا إلى 13 فقط،
وفي السياق نفسه، يتوقف التقرير عند ما يسميه بـ”التطاير الانتخابي الحاد”، مبرزا أن نتائج انتخابات 2021 عكست تقلبات غير مسبوقة في الخريطة الحزبية، بعدما تراجع الحزب الذي تصدر انتخابات 2016 من 125 مقعدا إلى 13 فقط، مقابل صعود التجمع الوطني للأحرار إلى 102 مقعد، متبوعا بالأصالة والمعاصرة بـ87 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ81 مقعدا.
ويفسر التقرير هذه التحولات بكونها نتيجة تصويت عقابي أكثر منها تحولا إيديولوجيا، فضلا عن تأثير تعديل القاسم الانتخابي الذي أصبح يحتسب على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدل عدد المصوتين، وهو ما أعاد توزيع المقاعد بين الأحزاب بشكل مختلف.
ويرى التقرير أن أزمة الوساطة السياسية تتغذى أيضا من اختلالات داخلية تعرفها الأحزاب، من بينها ضعف الديمقراطية التنظيمية، وهيمنة الأعيان والنفوذ المالي، وتراجع حضور الكفاءات والبرامج القادرة على إقناع الناخبين، إضافة إلى تشابه الخطابات السياسية وغياب تمايز واضح بين المشاريع الحزبية، الأمر الذي عزز قناعة لدى جزء من المواطنين بعدم جدوى المشاركة الانتخابية.
ارتفاع البطالة يساهم بدوره في توسيع فجوة الثقة
ويربط التقرير هذه المؤشرات بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، معتبرا أن ارتفاع البطالة يساهم بدوره في توسيع فجوة الثقة.
إذ تبلغ البطالة على الصعيد الوطني نحو 13 في المائة، بينما تتجاوز 37 في المائة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة، وتناهز 19.19 في المائة لدى حاملي الشهادات العليا، وهو ما يدفع شرائح واسعة من الشباب إلى البحث عن فضاءات بديلة للتعبير والمشاركة خارج المؤسسات التقليدية.
ورغم هذا التشخيص، يسجل التقرير بعض المؤشرات الإيجابية، أبرزها التطور الملحوظ في تمثيلية النساء داخل مجلس النواب، بعدما ارتفعت من 10 في المائة سنة 2002 إلى 24.3 في المائة سنة 2021، معتبرا ذلك أحد مكاسب مسار الإصلاح السياسي.
ويختتم المركز تقريره بعرض لوحة مؤشرات استشرافية تحدد مجموعة من الأهداف والمؤشرات التي يرى أنها ضرورية لتعزيز الديمقراطية وجودة التمثيل السياسي بالمغرب في أفق سنة 2035، من خلال تجديد آليات الوساطة، واستعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتطوير المشاركة السياسية بما ينسجم مع التحولات المجتمعية والرقمية التي تعرفها المملكة.
اقرأ أيضا…
في السؤال عن جدوى الانتخابات..الأشعري: الاحتجاجات الشبابية أرجعتنا لنقاشات ماقبل 2011





