
احتقان غير مسبوق يهز صحة إنزكان أيت ملول
لم يعد الحديث عن أزمة المنظومة الصحية في المغرب يقتصر على نقص الموارد البشرية أو محدودية الإمكانيات، بل امتد ليشمل أساليب التدبير والحكامة الإدارية التي باتت، في كثير من الحالات، جزءاً من المشكلة بدل أن تكون مدخلاً للحل.. وما تشهده المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بعمالة إنزكان أيت ملول يقدم نموذجاً صارخاً لهذا الواقع، بعدما تحولت الخلافات الإدارية، وفق ما تؤكده النقابات، إلى مصدر احتقان غير مسبوق يهدد استقرار المرفق الصحي ويضع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين على المحك.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب تنزيل ورش إصلاح المنظومة الصحية وتفعيل المجموعات الصحية الترابية ضمن إصلاحات الحماية الاجتماعية، تكشف هذه الأزمة عن مفارقة مؤلمة؛ فبينما تضخ الدولة مليارات الدراهم لتحديث القطاع، تستمر بعض الممارسات التدبيرية في استنزاف رأس المال البشري، وهو أهم عنصر في أي إصلاح حقيقي.
نقابات: الإدارة تلاحق الموظفين بدل معالجة أعطاب المستشفيات
وجه التنسيق النقابي الإقليمي، الذي يضم أربع مركزيات نقابية، اتهامات مباشرة للمندوب الإقليمي باتباع ما وصفه بسياسة “تصفية الحسابات” مع الأطر الصحية، معتبراً أن اهتمام الإدارة انصرف إلى ملاحقة الموظفين بدل الانكباب على معالجة النواقص البنيوية التي تعانيها المؤسسات الصحية بالإقليم.
وبحسب البيان الاستنكاري، فإن الوضع لم يعد يتعلق بخلاف إداري عابر، بل بمناخ من التوتر والخوف قد ينعكس سلباً على مردودية العاملين وجودة الخدمات الصحية، خاصة في قطاع يعاني أصلاً من ضغط كبير نتيجة الخصاص الوطني في الموارد البشرية. فالمغرب لا يزال يسجل أقل من “2 مهنيي صحة لكل ألف نسمة”، وهي نسبة تقل عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية لضمان تغطية صحية فعالة.
لجان إدارية أم أدوات للضغط؟
ومن أخطر الاتهامات التي أوردها البيان، الحديث عن تشكيل لجنة داخل وحدة المستعجلات بالمركز الاستشفائي الإقليمي بإنزكان، واعتبرت النقابات أنها تجاوزت اختصاصاتها القانونية وتحولت إلى وسيلة لاستنطاق العاملين ومساءلتهم خارج المساطر الإدارية المعمول بها.
وتذهب الهيئات النقابية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن هذه الخطوة جاءت مباشرة بعد كشف عدد من الأطر الصحية، أمام مسؤولي المجموعة الصحية الترابية بجهة سوس ماسة، عن اختلالات وصفت بالجسيمة، ما يطرح، إن صحت هذه المعطيات، سؤالاً مقلقاً حول مدى حماية المبلغين عن الاختلالات داخل الإدارات العمومية، وحول قدرة المؤسسات على تقبل النقد الداخلي بدل التعامل معه بمنطق العقاب.
تعيينات تثير الجدل… والخاسر الأكبر هو المريض
ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، إذ اتهمت النقابات المديرية الجهوية بالمصادقة على تعيين مسؤولين خارج معايير الاستحقاق وتكافؤ الفرص، معتبرة أن منطق الولاءات أصبح يتقدم على الكفاءة، وهو ما ينعكس مباشرة على السير العادي للمؤسسات الصحية.
كما أشارت إلى حرمان عدد من الأطباء الداخليين من متابعة تكوينهم بالمركز الاستشفائي الإقليمي بإنزكان، وإجبارهم على التنقل نحو مستشفيات تارودانت وبيوكرى وتيزنيت، بما يحمله ذلك من أعباء مالية ومهنية إضافية، فضلاً عن استمرار تجميد ملفات إدارية تخص عدداً من الموظفين.
وحدة إنعاش جاهزة… لكن أبوابها ما تزال مغلقة
ومن أكثر المفارقات التي سلط البيان الضوء عليها، استمرار تعطيل إحداث وحدة للإنعاش بالمركز الاستشفائي الإقليمي، رغم توفر الأطر الطبية والتمريضية والتجهيزات اللازمة بعد انتقالها إثر إغلاق المستشفى الجهوي بأكادير.
إن تعطيل مرفق حيوي من هذا الحجم لا يمثل مجرد تأخير إداري، بل قد تكون له كلفة إنسانية باهظة، لأن دقائق معدودة قد تفصل بين إنقاذ حياة مريض وفقدانها، بينما تبقى تجهيزات الدولة معطلة خلف الأبواب المغلقة.
أزمة حكامة قبل أن تكون أزمة إمكانيات
اقتصادياً، تنفق الدولة سنوياً مليارات الدراهم على إصلاح المنظومة الصحية وتوسيع التغطية الصحية الإجبارية، غير أن ضعف الحكامة وسوء التدبير قادران على إفراغ هذه الاستثمارات من مضمونها.. وسياسياً، فإن استمرار مثل هذه الأوضاع يهدد الثقة في الإصلاحات الكبرى، ويغذي شعور المواطنين بأن معاناة المستشفيات لا ترتبط دائماً بنقص الموارد، بل أحياناً بطريقة إدارتها.
وأمام هذا التصعيد، جدد التنسيق النقابي مطالبته بفتح تحقيق إداري مركزي وترتيب المسؤوليات وفق القانون، مع التعجيل بإحداث وحدة الإنعاش، وتسوية الملفات الإدارية العالقة، واحترام مبادئ الشفافية والاستحقاق في التعيينات، ملوحاً بخوض أشكال نضالية تصعيدية إذا استمر الوضع على حاله.
وفي المقابل، وإلى حدود صباح الأربعاء، لم تصدر المندوبية الإقليمية لإنزكان أيت ملول ولا المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة سوس ماسة أي توضيح رسمي بشأن هذه الاتهامات، لتظل الحقيقة الكاملة رهينة تحقيق إداري مستقل، بينما يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في صراع إداري لا ينبغي أن يدفع ثمنه المرضى.





