
لم يكن قرار التجمع الوطني للأحرار التمسك بالمشاركة في الحكومة المقبلة مجرد موقف تفاوضي عابر، بل يعكس حسابات سياسية وتنظيمية تتجاوز توزيع الحقائب الوزارية.
فالحزب، الذي يقوده حاليا محمد شوكي، اختار أن يعلن استعداده للمشاركة في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، مفوضا رئيسه الجديد تدبير هذا الخيار ، مع تكرار العبارة ذاتها، «وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية»، وذلك خلال دورة استثنائية لمجلسه الوطني بالرباط.
الموقف يكتسب دلالته من كونه يأتي في وقت يبرز فيه داخل حزب الأصالة والمعاصرة توجه غالب لإبعاد الأحرار عن الأغلبية المقبلة، رغم أن الحسم النهائي في تركيبة الحكومة لم يتم بعد.
لذلك يبدو أن المعركة الحقيقية بالنسبة إلى «الحمامة» لا تتعلق فقط بالبقاء في الحكومة، وإنما بتفادي كلفة الخروج منها.
حزب ولد للمشاركة أكثر من المعارضة
يصعب فصل موقف الأحرار عن طبيعته التاريخية، فمنذ تأسيسه، لم يتشكل الحزب باعتباره قوة معارضة ذات مرجعية إيديولوجية صلبة، وإنما نشأ في فضاء سياسي ارتبط أساسا بالأعيان والفاعلين الاقتصاديين والمنتخبين والقدرة على الحضور داخل المؤسسات.
هذه الخلفية تجعل المعارضة وضعا غير مألوف بالنسبة إلى الحزب، ليس بالمعنى الدستوري، وإنما من حيث الثقافة التنظيمية وشبكات النفوذ التي راكمها.
فالحزب الذي اعتاد أن تكون له أدوار في تدبير الشأن العام يجد نفسه أمام سؤال مختلف عندما يصبح خارج الحكومة: كيف يحافظ على تماسك شبكاته الانتخابية عندما لا يعود يمتلك النفوذ التنفيذي نفسه؟
ومن هنا يمكن الحديث عن «لعنة الولادة»: ليس لأن الحزب عاجز مبدئيا عن ممارسة المعارضة، وإنما لأن بنيته التاريخية لم تُبنَ أساسا على المعارضة بوصفها وظيفة سياسية دائمة.
المشكلة ليست في المقاعد الوزارية
لو كانت القضية مجرد حقائب وزارية، لكان انتقال الأحرار إلى المعارضة أقل تعقيدا. لكن الحسابات الحالية ترتبط بما هو أبعد من الحكومة.
خلال سنوات وجوده في السلطة، توسعت شبكة الحزب داخل المؤسسات المنتخبة، وبرزت له امتدادات قوية في الجماعات والجهات والبرلمان، إلى جانب حضور واسع للأعيان والفاعلين المحليين.
وهؤلاء لا ينظرون بالضرورة إلى السياسة من الزاوية التي من المفرض أن تحكم الفاعل الحزبي.
إذا بالنسبة إلى جزء من النخب الانتخابية المحلية، فإن قوة الحزب ترتبط بموقعه داخل ميزان السلطة والقدرة على الوصول إلى مراكز القرار.
ولذلك فإن خروج الأحرار من الحكومة قد يفتح، مع اقتراب الانتخابات الجماعية، بابا لإعادة ترتيب الولاءات.
شبح انتخابات 2027
هنا تصبح انتخابات 2027 عاملا حاسما في تفسير إصرار الأحرار على المشاركة، فالانتخابات التشريعية انتهت، لكن المعركة السياسية المقبلة ستكون محلية بالدرجة الأولى.
وإذا تمكن الأصالة والمعاصرة من تحويل تصدره للانتخابات التشريعية إلى نفوذ أقوى داخل الجماعات والجهات، فقد يصبح أكثر جاذبية لعدد من الأعيان والمنتخبين، وهذا هو السيناريو الذي لا يبدو الأحرار مستعدين للمجازفة به.
فالانتقال من الحكومة إلى المعارضة قد لا ينتج عنه فقط تراجع في الحضور المؤسساتي، بل يمكن أن يتحول إلى نزيف انتخابي تدريجي، يبدأ بانتقالات فردية ثم يتوسع مع اقتراب الاستحقاقات الجماعية.
وبهذا المعنى، فإن تمسك الحزب بالحكومة يمكن أن يكون دفاعا عن موقعه الانتخابي أكثر مما هو دفاع عن موقعه الوزاري.
«البام» هو المنافس الذي يثير القلق
يزداد هذا الحساب تعقيدا لأن المنافس المحتمل على جزء من هذه الشبكات ليس حزبا بعيدا عن الأحرار، بل الأصالة والمعاصرة نفسه.
فـ«البام» تصدر انتخابات 2026، وفاطمة الزهراء المنصوري أصبحت مكلفة بتشكيل الحكومة. وفي الوقت نفسه، برزت داخل الحزب مواقف تدعو إلى عدم إشراك الأحرار.
وهنا تتشكل مفارقة سياسية واضحة: الأحرار يريدون البقاء داخل الحكومة التي سيقودها “خصمهم” الانتخابي، لأن خروجهم منها قد يمنح هذا الخصم فرصة أوسع لإعادة ترتيب الخريطة الانتخابية المحلية.
وبالتالي، فإن صراع الحزبين لا يتعلق فقط بمن يدخل الحكومة ومن يبقى خارجها، وإنما بمن سيملك القدرة على استقطاب النخب المحلية خلال المرحلة المقبلة.
هل يخشى الأحرار المعارضة نفسها؟
ليس بالضرورة، المعارضة في حد ذاتها ليست مشكلة لحزب يمتلك 66 مقعدا وشبكة انتخابية واسعة. المشكلة تكمن في نوع المعارضة التي قد يجد نفسه فيها.
إذا كانت المعارضة ستمنح الحزب فرصة لإعادة بناء مشروعه السياسي، واستعادة مسافة نقدية من التدبير الحكومي، فقد تكون مفيدة له على المدى البعيد، لكن الإشكال بالنسبة للكثير من المحللين أنه لا يملك مشروعا سياسيا، هو أداة تسيير من خارجه.
الأحرار لا يخشى بالضرورة أن يصبح معارضا؛ ما يخشاه حقيقة هو أن يصبح حزبا معارضا في الوقت الذي يكون فيه منافسه المباشر بصدد تثبيت موقعه داخل الدولة والحكومة والجماعات.
منطق الحزب الإداري يعود إلى الواجهة
وهنا تطرح عودة الأحرار إلى الحكومة سؤالا أعمق حول طبيعة الأحزاب التي ارتبط صعودها تاريخيا بالقرب من الدولة أكثر من ارتباطها بحركات اجتماعية أو نضالات جماهيرية.
فالحزب الذي يستمد قوته من الأعيان والمنتخبين وشبكات المصالح المحلية يحتاج، أكثر من غيره، إلى الحفاظ على موقع مؤثر داخل المؤسسات.
وهذا ما يعيد إلى النقاش مفهوم الحزب الإداري، ليس باعتباره توصيفا قانونيا بل سياسي على الأحرار، وباعتباره أيضا مدخلا لفهم حساسية الحزب تجاه الانتقال من المشاركة في الحكم إلى المعارضة.
فكلما كان الحزب أكثر اعتمادا على شبكات النفوذ الانتخابي والمؤسساتي، أصبحت المعارضة اختبارا حقيقيا لقدرته على الاحتفاظ بتلك الشبكات خارج السلطة التنفيذية، وهو ما لا يملكه بالقطع.
الأحرار أمام خيارين كلاهما مكلف
إذا نجح الحزب في البقاء داخل الحكومة، فسيضمن استمرار حضوره في دائرة القرار، لكنه سيدخل هذه المرة حكومة يقودها «البام»، وقد لا يحتفظ بالموقع نفسه الذي كان له خلال الولاية السابقة.
أما إذا انتقل إلى المعارضة، فسيتخلص من عبء الحصيلة الحكومية، لكنه سيواجه امتحان الحفاظ على تماسك تنظيمه وشبكاته الانتخابية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات 2027.
لهذا تبدو مشاركة الأحرار بالنسبة إلى قيادته الخيار الأقل مخاطرة.
المعركة الحقيقية بدأت بعد الانتخابات
من هذه الزاوية، لا ينبغي قراءة موقف الأحرار باعتباره مجرد رغبة في الحصول على حقائب وزارية.
المعركة أوسع: من سيعيد تشكيل الخريطة السياسية بعد انتخابات 2026؟، الأصالة والمعاصرة يريد تثبيت تصدره وتحويله إلى قيادة حكومية وسياسية مستقرة، بينما يحاول الأحرار الحفاظ على موقعه داخل دائرة القرار ومنع انتقال مركز الثقل الانتخابي نحو منافسه.
لذلك فإن إصرار «الحمامة» على المشاركة قد يكون في جوهره معركة ضد كلفة المعارضة أكثر منه رغبة في السلطة لذاتها، إنها الحماية له من أن يتلاشى ويندثر كما وقع لاحزاب إدارية سابقة.
فالحزب يعرف أن الخروج من الحكومة يمكن تعويضه سياسيا، لكنه يخشى أن يكون الثمن الحقيقي هو أن يبدأ، من خارجها، فقدان الأعيان والمنتخبين وشبكات النفوذ التي تشكل أحد أعمدة قوته.
وهنا بالضبط تكمن المفارقة: الأحرار لا يدافعون فقط عن حقهم في دخول حكومة المنصوري، بل يدافعون عن موقعهم في الخريطة السياسية التي ستُرسم فعليا مع انتخابات 2027.





