
لم يأت تعيين كمال الهشومي وزيرا منتدبا لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مكلفا بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، من مسار مهني أحادي الاتجاه، بل من تجربة متعددة المحطات تداخل فيها التكوين القانوني والسياسي مع العمل الجمعوي والحزبي، ثم المسؤوليات الإدارية والتشريعية والأكاديمية.
فالرجل، الذي عينه الملك محمد السادس ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، ينتقل اليوم إلى موقع تنفيذي يرتبط بأحد الملفات الاجتماعية الأكثر حساسية، بالنظر إلى صلته بتكافؤ الفرص والإنصاف المجالي والحق في التعليم.
ويأتي هذا الانتقال بعد سنوات قضاها بين الجامعة والإدارة المركزية ومؤسسة البرلمان، فضلا عن حضوره داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وتكمن خصوصية تجربته في الجمع بين معرفة نظرية بالمؤسسات والسياسات العمومية، واحتكاك عملي بآليات التدبير الإداري والتفاوض الاجتماعي، وهي خبرات قد يجد أمامها اختبارا جديدا في قطاع لا تقاس نتائجه بالقرارات وحدها، وإنما بمدى انعكاسها على الأطفال والأسر، خصوصا في المناطق التي تعاني الهشاشة وضعف العرض التعليمي.
الحي المحمدي.. البدايات في فضاء العمل المدني
ولد كمال الهشومي في 7 يونيو 1977 بالحي المحمدي في الدار البيضاء، حيث تابع دراسته إلى غاية حصوله على شهادة البكالوريا سنة 1995، قبل أن يلتحق بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة الحسن الثاني.
وشكلت هذه المرحلة مدخلا إلى اهتمامه بالقانون والمؤسسات والسياسة، وهو الاهتمام الذي تعزز لاحقا بحصوله على الدكتوراه في القانون العام سنة 2012 من الجامعة نفسها، ليتجه نحو التدريس والبحث في قضايا القانون الدستوري والعلوم السياسية.
غير أن ملامح مساره لم تتشكل داخل الجامعة وحدها. فقد ارتبطت بدايات انخراطه في الحياة العامة بالعمل الجمعوي والتأطير الثقافي والتربوي، من خلال دار الشباب بالحي المحمدي، قبل أن يتوسع نشاطه داخل جمعية الشعلة للتربية والثقافة، التي تدرج في هياكلها إلى أن أصبح نائبا أول لرئيسها.
وتكشف هذه البدايات عن جانب من تجربته المبكرة، حيث التقى التكوين المدني بالاهتمام بالشأن العام، في مرحلة كان فيها العمل الجمعوي يشكل إحدى بوابات المشاركة والتأطير خارج المؤسسات السياسية التقليدية.
من الشبيبة الاتحادية إلى المكتب السياسي
سياسيا، التحق الهشومي بالشبيبة الاتحادية سنة 1996، في تجربة أتاحَت له الاحتكاك المبكر بالعمل الحزبي وآليات التنظيم والتأطير السياسي. وتولى مسؤوليات داخل مكتبها الوطني، قبل أن يواصل مساره داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وفي سنة 2003، أصبح عضوا في المجلس الوطني للحزب، ثم انتخب عضوا في مكتبه السياسي يوم 13 دجنبر 2025، بما يعكس انتقاله من مرحلة المسؤوليات الشبابية والتنظيمية إلى مستوى القيادة الحزبية.
ويمنح هذا المسار تعيينه الحكومي بعدا سياسيا إضافيا، إذ لا يتعلق الأمر بأستاذ جامعي وخبير في القانون والمؤسسات فحسب، بل أيضا بفاعل حزبي راكم تجربة داخل أحد الأحزاب التاريخية لليسار المغربي.
ومع ذلك، فإن المسؤولية الحكومية تضعه أمام طبيعة مختلفة من الالتزامات، حيث يصبح التحدي مرتبطا بترجمة التوجهات المعلنة إلى برامج قابلة للتنفيذ، في إطار الأولويات الحكومية والإمكانات المتاحة، بعيدا عن منطق التخصص الأكاديمي أو الالتزام التنظيمي وحدهما.
تجربة إدارية وبرلمانية في قلب المؤسسات
بدأ الهشومي مساره المهني مستشارا بوزارة التشغيل والتكوين المهني، بين سنتي 2011 و2014، قبل أن يلتحق بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين السبع، التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أستاذا باحثا، ثم يتولى منصب نائب عميد الكلية.
وفي يوليوز 2017، انتقل إلى مجلس النواب، حيث تولى رئاسة ديوان الحبيب المالكي، رئيس المجلس آنذاك، واستمر في هذه المهمة إلى شتنبر 2021. كما اشتغل داخل المؤسسة التشريعية مكلفا بالدراسات والأبحاث، ما أتاح له العمل في محيط تتقاطع فيه الوظائف السياسية والتشريعية والإدارية.
وبعد انتهاء هذه المرحلة، التحق بالإدارة المركزية، متوليا منصب مدير الموارد البشرية والميزانية والشؤون العامة بوزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات. ثم أسندت إليه مهام الكاتب العام بالنيابة لقطاع الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل، خلال الفترة الممتدة من غشت 2022 إلى يوليوز 2023.
كما شارك، بين 2021 و2023، في تدبير ملف الحوار الاجتماعي باسم الحكومة على المستويين الوطني والدولي، وهي تجربة ترتبط بالتنسيق بين الأطراف الاجتماعية والمؤسسات الحكومية، وبما يرافق المفاوضات من تدبير للاختلاف والبحث عن التوافقات.
وتتيح هذه المحطات قراءة جانب من مؤهلاته المهنية، خصوصا في مجالات التدبير الإداري وإدارة الموارد البشرية والتعامل مع الملفات الاجتماعية. لكنها تطرح، في المقابل، سؤال القدرة على نقل الخبرة المكتسبة في هذه المواقع إلى قطاع التعليم، الذي تتشابك فيه الاعتبارات المالية والتربوية والاجتماعية والمجالية.
العودة إلى الجامعة.. من الإدارة إلى البحث السياسي
في أكتوبر 2023، عاد الهشومي إلى المجال الجامعي من بوابة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، أستاذا للتعليم العالي في القانون الدستوري والعلوم السياسية.
وتولى، إلى جانب التدريس والبحث، تنسيق ماستر «الدراسات السياسية والمؤسساتية المعمقة» باللغة العربية، وماستر «الدراسات السياسية والدولية» باللغة الفرنسية، في امتداد لمساره العلمي الذي يجمع بين تحليل المؤسسات وفهم التحولات السياسية.
ويعكس هذا الجانب من تجربته ارتباطا مستمرا بقضايا الدولة والدستور وصناعة القرار، وهي موضوعات تتجاوز بعدها النظري إلى فهم كيفية اشتغال المؤسسات العمومية وتفاعلها مع المجتمع.
كما حافظ على حضوره في مجال التأليف والنشر، من خلال أعمال علمية وبيداغوجية تتناول علم السياسة والقانون الدستوري وتاريخ الفكر السياسي. ومن بين مؤلفاته كتاب «مدخل إلى علم السياسة» باللغة الفرنسية، إلى جانب كتب بالعربية في النظرية العامة للقانون الدستوري وتاريخ الفكر السياسي، فضلا عن كتابه «الدليل العملي للانتخابات التشريعية وفق آخر المستجدات القانونية».
وإلى جانب هذه الإصدارات، نشر مقالات ودراسات حول المؤسسات والديمقراطية والسياسات العمومية والتنمية والحوار الاجتماعي، وشارك في نقاشات إعلامية باللغتين العربية والفرنسية.
التعليم الأولي والهدر المدرسي.. الاختبار الحقيقي
مع توليه حقيبة التعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، ينتقل كمال الهشومي من الاشتغال على القانون والمؤسسات والسياسات العمومية إلى مسؤولية ترتبط مباشرة بمسار الأطفال التعليمي وبقدرة المدرسة على استيعابهم والاحتفاظ بهم.
ويحمل الملفان تحديات متداخلة؛ فالتعليم الأولي لا يتعلق بمجرد توسيع عدد الأقسام أو رفع نسب التمدرس، بل أيضا بضمان جودة التعلمات، وتأهيل الموارد البشرية، وتحسين ظروف الاشتغال، وتقليص الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي. أما محاربة الهدر المدرسي فتتطلب معالجة عوامل متعددة، من بينها الفقر وبعد المؤسسات التعليمية، وضعف النقل المدرسي، وصعوبات التعلم، والهشاشة الاجتماعية التي تدفع بعض الأطفال إلى مغادرة المدرسة قبل استكمال مسارهم الدراسي.
ومن هذا المنطلق، سيكون التحدي أمام الوزير المنتدب هو الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى بناء تدخلات منسقة وقابلة للقياس، تجمع بين الأسرة والمدرسة والجماعات الترابية والقطاعات الحكومية المعنية، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق والفئات الأكثر عرضة للإقصاء التعليمي.
كما تفرض طبيعة الملف وضع مؤشرات واضحة لتقييم النتائج، لا تكتفي بحساب أعداد المستفيدين أو المؤسسات المحدثة، بل تشمل جودة الخدمات المقدمة، واستمرارية التمدرس، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
الهشومي يقتحم مرحلة جديدة من مساره
وبين تجربة العمل الجمعوي في الحي المحمدي، والمسار الأكاديمي في القانون والعلوم السياسية، والخبرة داخل الإدارة والبرلمان، يدخل كمال الهشومي مرحلة جديدة من مساره. وهي مرحلة ستكشف، عمليا، مدى قدرة هذا الرصيد المتنوع على إنتاج أثر ملموس في قطاع يرتبط مستقبلُه بمستقبل أجيال كاملة.
ففي نهاية المطاف، لن يكون معيار نجاحه عدد المناصب التي تقلدها أو المؤلفات التي أصدرها، وإنما ما إذا كان الأطفال الذين يواجهون صعوبات في الولوج إلى المدرسة أو الاستمرار فيها سيجدون، خلال فترة مسؤوليته، فرصا أفضل للتعلم والاستقرار والنجاح.




