الرئسيةحول العالمميديا وإعلام

إعلام عبري..إسرائيل تترقب سياسة فانس

أثارت التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت تعكس تحولا محتملا في مقاربة واشنطن للعلاقة مع إسرائيل، خصوصا إذا وصل فانس إلى البيت الأبيض مستقبلا، في ظل تنامي التيار الانعزالي داخل الحزب الجمهوري، الذي يدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الملفات الداخلية.

“القناة 12”: خطاب انتخابي أم تحول حقيقي؟

وفي قراءة نشرها موقع “القناة 12” الإسرائيلية، اعتبر المستشرق والجنرال الإسرائيلي المتقاعد موشيه إلعاد أن الضجة التي رافقت مواقف فانس ترتبط أساسا بالسياق الانتخابي الأمريكي، حيث يسعى نائب الرئيس إلى استمالة القاعدة الجمهورية التي تتبنى خطابا يطالب بتقليص الإنفاق على الحلفاء وإعادة توجيه الموارد نحو معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.

وبحسب ما أورده المقال المنشور في “القناة 12″، فإن هذا الخطاب لا يعني بالضرورة انقلابا على التحالف مع إسرائيل، بقدر ما يعكس تغيرا في أولويات الخطاب السياسي خلال الحملات الانتخابية، وهو أمر تكرر مراراً في التاريخ السياسي الأمريكي.

لماذا لا تثق إسرائيل بالشعارات الانتخابية؟

ويرى إلعاد، وفق “القناة 12″، أن شريحة متزايدة من الأمريكيين باتت تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مجرد حليف من بين حلفاء واشنطن، غير أن التجربة التاريخية تظهر أن كثيراً من الرؤساء دخلوا البيت الأبيض دون أن يضعوا إسرائيل ضمن أولوياتهم، قبل أن يعيدوا تقييم موقفهم بعد اطلاعهم على تقارير البنتاغون ومداولات مجلس الأمن القومي المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وأشار الكاتب إلى أن الفارق بين خطاب المرشح وخيارات الرئيس يكمن في طبيعة المسؤوليات. فالمرشح يخاطب الناخبين بشعارات انتخابية، بينما يواجه الرئيس، بعد وصوله إلى السلطة، معطيات أمنية وعسكرية معقدة تتعلق بانتشار القوات الأمريكية وتوازنات القوى الدولية، ما يدفعه غالباً إلى مراجعة مواقفه السابقة.

البنتاغون يعيد رسم أولويات الرؤساء

واستند المقال الذي نشرته “القناة 12” إلى مواقف عدد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين لتأكيد هذه الفكرة، من بينهم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون، الذي أكد أن المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية تساهم في حماية القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، إضافة إلى الجنرال ديفيد بترايوس، الذي وصف إسرائيل بأنها أكثر الشركاء العسكريين كفاءة وموثوقية بالنسبة للولايات المتحدة في المنطقة، نظراً لقدرتها على تنفيذ عمليات مستقلة ضد خصوم واشنطن، بما يقلل الحاجة إلى تدخل أمريكي مباشر.

ولتعزيز هذه القراءة، استعرض إلعاد، عبر “القناة 12″، محطات تاريخية اعتبرها دليلاً على ثبات المصالح الاستراتيجية رغم تغير الخطاب السياسي.

وأشار إلى أن الرئيس ريتشارد نيكسون لم يُظهر خلال حملته الانتخابية اهتماماً خاصاً بإسرائيل، بل كُشف لاحقاً عن مواقف مثيرة للجدل تجاه اليهود، إلا أنه عندما اندلعت حرب أكتوبر عام 1973 أمر بإطلاق جسر جوي ضخم لتزويد إسرائيل بالسلاح، انطلاقا من اعتبارات الحرب الباردة وخشية تحقيق الاتحاد السوفيتي مكاسب استراتيجية، وليس بدافع التعاطف مع إسرائيل.

من نيكسون إلى أوباما.. المصالح تتغلب على السياسة

وأضاف أن الرئيس جيمي كارتر، رغم توتر علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن، قاد مفاوضات كامب ديفيد لأنه رأى أن السلام المصري الإسرائيلي يخدم المصالح الأمريكية.

كما أشار إلى أن رونالد ريغان وسع التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل بصورة كبيرة، مع احتفاظه بحق ممارسة الضغوط عليها عندما رأى أن ذلك ينسجم مع أولويات واشنطن، وهي المرحلة التي ترسخ خلالها داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية مفهوم اعتبار إسرائيل “أصلاً استراتيجياً”.

وتوقف تحليل “القناة 12” أيضاً عند تجربة الرئيس دونالد ترامب، الذي قدم نفسه خلال حملته الانتخابية عام 2016 بوصفه طرفاً محايداً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكنه بعد وصوله إلى السلطة اتخذ سلسلة من القرارات التي عدّتها إسرائيل تاريخية، أبرزها الاعتراف بالقدس عاصمة لها، ونقل السفارة الأمريكية إليها، والاعتراف بسيادتها على الجولان، إلى جانب رعاية اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية، وهو ما اعتبره الكاتب دليلاً على أن ضرورات الحكم تختلف عن خطاب الحملات الانتخابية.

إسرائيل بين الانعزالية الأمريكية وحسابات الأمن

كما استعاد المقال تجربة الرئيس باراك أوباما، الذي دخل في خلافات علنية مع حكومة بنيامين نتنياهو بسبب الاستيطان والاتفاق النووي مع إيران، لكنه في المقابل وقع أكبر اتفاقية مساعدات عسكرية في تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، وهو ما يراه الكاتب انعكاساً لتقديرات المؤسسة العسكرية الأمريكية التي تعتبر إسرائيل استثماراً أمنياً واستراتيجياً لا مجرد عبء مالي.

وفي السياق ذاته، ذكّر إلعاد، عبر “القناة 12″، بالتصريح الشهير الذي أدلى به جو بايدن عام 1986 عندما قال إنه “لو لم تكن إسرائيل موجودة لكان على الولايات المتحدة أن تخترعها لحماية مصالحها في الشرق الأوسط”، كما استشهد بوصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ألكسندر هيغ لإسرائيل بأنها “أكبر حاملة طائرات أمريكية لا تغرق”، في إشارة إلى دورها كقاعدة متقدمة للنفوذ الأمريكي في المنطقة.

القلق الإسرائيلي يبقى قائماً تجاه احتمال أن تتحول مواقف جي دي فانس إلى سياسة عملية

وفي ختام تحليله، خلص الكاتب، وفق “القناة 12” الإسرائيلية، إلى أن صعود التيار الانعزالي داخل الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لأن الرؤساء، بعد انتقالهم من مرحلة الحملات الانتخابية إلى إدارة الدولة، يجدون أنفسهم أمام معطيات أمنية واستراتيجية تدفعهم غالبا إلى الحفاظ على هذا التحالف باعتباره قائماً على المصالح المشتركة أكثر من ارتباطه بالاعتبارات الأيديولوجية أو الأخلاقية.

ومع ذلك، يرى المقال أن القلق الإسرائيلي يبقى قائماً تجاه احتمال أن تتحول مواقف جي دي فانس إلى سياسة عملية إذا وصل إلى الرئاسة، إذ قد لا يذهب إلى حد فك الارتباط مع إسرائيل، لكنه قد يتبنى سياسة أكثر تشدداً في ربط الدعم الأمريكي بحسابات المصالح والكلفة، وهو ما قد يفرض على تل أبيب ضغوطاً سياسية واستراتيجية أكبر مقارنة بما اعتادت عليه في العقود الماضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى