الرئسيةسياسة

تحليل إخباري: جدل تراخيص الأدوية…بووانو يتهم والوزارة تردّ في منتصف الليل

في لحظة سياسية شديدة التوتر داخل البرلمان، انفجر جدل جديد حول شفافية تدبير قطاع الأدوية، بعدما وجّه عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، اتهامات مباشرة لوزارة الصحة تتعلق بالغموض الذي يحيط بمنح التراخيص المؤقتة للاستعمال (ATU) وصفقات استيراد بعض الأدوية، وعلى رأسها دواء “كلوريد البوتاسيوم (KCl)”. ومع أن وزارة الصحة حاولت الرد عبر بلاغ صدر في ساعة متأخرة من الليل، إلا أن ذلك لم يطفئ الجدل، بل زاد من سخونته وأعاد طرح سؤال الحكامة وتضارب المصالح داخل منظومة الدواء المغربية.

بلاغ ليلي يعمّق الشكوك

اختارت وزارة الصحة توقيتاً غير معتاد لإصدار بلاغها الرسمي؛ منتصف الليل، بينما كانت الفرق البرلمانية ما تزال تواصل دراسة تعديلات الجزء الأول من مشروع قانون مالية 2026. توقيت أثار انتقادات بووانو الذي اعتبره “غير بريء” و”موجهاً لإرباك النقاش البرلماني” أكثر من كونه ردّاً تقنياً على تساؤلات جوهرية أثارتها فرق المعارضة.

ورغم أن الوزارة حاولت نفي ما اعتبرته “ادعاءات غير صحيحة” بشأن منح امتيازات لشركات معينة، إلا أن صياغة البلاغ بدت – في نظربووانو – عامة، مفتقدة للأرقام والمعطيات التفصيلية التي من شأنها أن تحسم الجدل.

جوهر الملف: التراخيص المؤقتة (ATU)

يقف ملف التراخيص المؤقتة للاستعمال (ATU) في قلب هذه المواجهة. فهذه الآلية القانونية الاستثنائية، المخصصة لاستيراد أدوية غير مسجلة أو غير متوفرة محلياً، يفترض أن تُمنح في حالات محدودة وعاجلة.

لكن بووانو يؤكد أن اللجوء إليها أصبح “مكثفاً وغير مفهوم”، وأن غياب الشفافية حول المستفيدين منها يثير مخاوف من فتح باب الاستفادة غير المتكافئة لصالح شركات بعينها.

ويطالب رئيس فريق العدالة والتنمية بكشف لائحة الشركات التي حصلت على ATU، مع أسماء ملاّكها، لتفادي أي شبهة احتكار أو تضارب مصالح، -وكان يقصد من حديثه هذا وزير التعليم محمد برادة الذي حصل على الصفقة من طرف زميله في الحكومة وزير الصحة-، ولطمأنة الرأي العام بأن القرارات المتعلقة بالدواء تُتخذ لخدمة المصلحة العامة وليس لخدمة فاعلين اقتصاديين محددين.

وزارة الصحة: لا احتكار ولا تلاعب

في ردّها، أكدت وزارة الصحة أن منح تراخيص ATU يتم وفق القانون، وتحت إشراف مباشر من الوكالة المغربية للأدوية، وأن لا وجود لأي “امتيازات خاصة” لشركات معينة. وأشارت إلى أن سبب اللجوء إلى هذه التراخيص مؤخراً هو وجود خصاص في دواء “كلوريد البوتاسيوم” نتيجة توقف إحدى الشركات الوطنية عن الإنتاج بسبب أشغال الصيانة، مما فرض فتح الاستيراد لتفادي انقطاع دواء حيوي.

كما شددت الوزارة على أن اقتناء هذا الدواء تم عبر طلبات عروض قانونية وشفافة، وأن جميع المستشفيات الجامعية احترمت المساطر نفسها، رغم استقلاليتها الإدارية.

لكن هذا الرد، الذي لم يتضمن لوائح أو بيانات تفصيلية، ظل في نظر المعارضة “إنشائياً”، باعتباره لم يقدّم رداً مباشراً على الأسئلة الدقيقة التي أثارها بووانو داخل البرلمان.

تضارب المصالح… العصب الخفي للصراع

خلف هذا السجال التقني يبرز ملف أكثر حساسية: تضارب المصالح.
فالمعارضة ترى أن التراخيص الاستثنائية، حين تُمنح دون إعلان للمعايير والجهات المستفيدة، تفتح الباب أمام تشابكات محتملة بين مصالح خاصة ومراكز القرار داخل قطاع يملكه عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين.

بووانو يتحدث عن “لوبيات” تتحكم في بعض الصفقات، ويرى أن غياب الشفافية يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان منح التراخيص نابعاً من حاجة حقيقية للسوق، أم نتيجة تقاطع مصالح بين الشركات وبعض المسؤولين. وفي غياب نشر قائمة المستفيدين، تبقى الشبهات قائمة، مهما كانت نوايا الوزارة.

هذا الغموض هو ما دفع بووانو إلى المطالبة بتشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق، باعتبارها الآلية الوحيدة القادرة على الوصول إلى الوثائق، ومراقبة التراخيص، والتحقق من المساطر، وكشف أي تداخل محتمل بين المال والقرار العمومي.

السياق السياسي… صراع على من يتحكم في الرواية

لا يمكن فصل هذا الجدل عن السياق الأوسع،  معارضة تبحث عن استعادة موقع سياسي  عبر معارك الرقابة والمحاسبة، وزارة تسعى لتأكيد قدرتها على تدبير قطاع حساس وسط ما تعتبره  إصلاحات كبرى في منظومة الصحة.


ورأي عام يزداد قلقاً من ارتفاع أسعار الدواء وتأثير نقص الأدوية على حياة المرضى، وما يعتبره اتساعا للفساد وتضارب المصالح

معركة شفافية لا معركة شعارات

سواء كانت اتهامات المعارضة دقيقة أم مبالغاً فيها، وسواء كان رد الوزارة كافياً أم ناقصاً، فإن هذا السجال يعيد بعث  سؤال جوهري، مضمونه، هل تُدبّر منظومة الدواء في المغرب بأعلى درجات الشفافية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تقدم في بلاغ ليلي، ولا في تصريحات ساخنة داخل قبة البرلمان، بل في تقديم معطيات واضحة للرأي العام، وفي تمكين أجهزة الرقابة من الوصول إلى المعلومات، وفي بناء منظومة دواء لا تسمح باختلاط المصالح، ولا تجعل من صحة المواطن مجالاً للمضاربة أو الامتيازات.

إنها ليست مجرد مواجهة سياسية، بل لحظة حاسمة لقياس صلابة المؤسسات أمام واحد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في حياة المغاربة.

سياق الفساد لم يعد مجرد اختلالات معزولة

يتزايد لدى فئات واسعة من الرأي العام المغربي شعورٌ عميق، إن لم نقل وعيا عميقا عكسته الاحتجاجات الأخيرة لجيل زد، بأن الفساد لم يعد مجرد اختلالات معزولة، بل صار بنية تتقاطع فيها السلطة والمال والنفوذ، خصوصاً في ظل حكومة يقودها رجل أعمال ينظر إلى مصالحه الاقتصادية على أنها قد تتداخل موضوعياً مع القرار العمومي.

هذا الإحساس  الشعبي تقويه ثلاث مؤشرات سياسية كبرى تلتقي كلها في الاتجاه ذاته: تضييق على المجتمع المدني، وغياب الإرادة التشريعية لمكافحة الإثراء المشبوه، واستفحال شبهات تضارب المصالح داخل القطاعات الحيوية.

إن السرعة التي تتم في اتجاه  منع الجمعيات من التبليغ عن الفساد أو تقييد دورها، يُقرأ شعبياً كإشارة إلى رغبة السلطة في تحييد أحد أهم الفاعلين المستقلين في منظومة الرقابة، خصوصاً وأن جزءاً كبيراً من الملفات التي هزّت الرأي العام في السنوات الماضية خرجت من رحم المجتمع المدني وليس من مؤسسات الدولة.

كما يتعمق هذا الإحساس،  مع توجه  نحو تجميد مشروع قانون الإثراء غير المشروع، الذي كان يُفترض أن يشكل أداة قانونية قوية لمحاصرة تضخم الثروات غير المستساغة لدى المسؤولين، مما عمق  إحساس المواطنين بأن محاربة الفساد لم تعد أولوية سياسية، بل ربما أصبحت ورقة محرجة يفضل الحاكمون إبقاءها مطوية، وهو ما ظهر واضحا في الاحتجاجات التي أطلقها جيل زد مؤخرا.

وفي ظل هذا الفراغ الرقابي، تتكاثر الملفات التي تُثير الريبة: صفقات عمومية غامضة، تراخيص تمنح في ظروف غير شفافة، تضارب مصالح محتمل في قطاعات استراتيجية مثل الصحة والمحروقات والعقار والماء…

ومع كل ملف ينفجر وبغض النظر عن من يفجره ولأي حسابات إلى السطح تترسّخ لدى المغاربة قناعة بأن مؤشرات الفساد الكبير أصبحت أكثر حضوراً من مؤشرات “الإصلاح”، العبارة التي باتت تتردد دون أن يكون لها أي وقع فعلي فيما يعيشه حقيقة المغاربة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى