الرئسيةسياسة

الغلوسي: ما خفي أكبر…وشبكات النفوذ بمراكش تحول الاستثمار العمومي لغنيمة

تحرير: جيهان مشكور

يقدم محمد الغلوسي، في تدوينته الأخيرة، قراءة حادة لمسار برنامج “مراكش الحاضرة المتجددة”، معتبراً أن الأمر لا يرتبط بمجرد تعثرات تقنية أو اختلافات في مقاربات التهيئة، بل يتجاوز ذلك إلى ما يصفه بوجود شبكة فساد منظمة.

ووفق ما كشفه الغلوسي، فإن هذه الشبكة استطاعت تحويل أهداف برنامج ملكي تتجاوز كلفته 600 مليار سنتيم إلى مجال للاستغلال والمضاربة ومراكمة الثروات بطرق تفتقر إلى الشفافية.

ويبرز من قراءته للملف أن هذه الشبكة لم تكتف بالتحايل على القوانين، بل استعملت المؤسسات واللجان الرسمية لصناعة وثائق وقرارات تمنح صبغة الشرعية لممارسات مبنية على تضارب المصالح وتوجيه القرار العمومي لخدمة أطراف محددة.

المحطة الطرقية بالعزوزية نقطة تحول في مسار القضية

يستند الغلوسي إلى مراسلة المدير الإقليمي للتجهيز والنقل واللوجستيك المتعلقة بالمحطة الطرقية الجديدة بحي العزوزية باعتبارها وثيقة مفصلية لفهم تعقيدات الملف.. فالمساحة المخصصة لاحتضان مرافق المحطة، التي تضمنت 7400 متر مربع إلى جانب 8150 متر مربع لموقف سيارات الأجرة والخواص، أصبحت موضوع تحوير في الدلالات والمضامين، بعدما جرى الدفع نحو التخلي عن قطعة الأرض الأولى لفائدة شركة وُصفت بأنها غامضة في تكوينها ومسارها.

و تشير تفاصيل هذه المراسلة إلى أن الشركة حصلت على عقد كراء من المندوبية الجهوية لأملاك الدولة سنة 2018 لبناء محطة وقود وفندق وباحة استراحة مقابل كراء سنوي قدره 223 ألف درهم فقط، في مشروع يعلن عن استثمار يصل إلى 49 مليون درهم وتوفير 45 منصب شغل قار، لكن خلف هذه الصورة الاستثمارية، يكشف الغلوسي عن معطيات تخص هوية الشركة وترابطها مع منتخب نافذ، باعتبار أن الشخص الذي قُدم كصاحب المشروع لا يملك سجلاً استثمارياً يبرر هذه الخطوة، فيما يظل المسير الفعلي، حسب الغلوسي، هو المنتخب الذي يملك عقارات وشركات وامتدادات مالية واسعة.

شركة تولد قبل ولادتها ومسار غامض للملكية

من بين النقاط التي يثيرها الغلوسي بإلحاح مسألة التواريخ المرتبطة بالمشروع، فالشركة حصلت على الموافقة المبدئية للاستثمار في فبراير 2017 بينما تأسست رسمياً في أكتوبر من السنة نفسها، أي أنها حازت الامتياز قبل وجودها القانوني.. يعتبر الغلوسي هذا المعطى دليلاً إضافياً على وجود شبكة تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية، خاصة أن عنوان الشركة يعود إلى “دوار” هو نفسه عنوان شركات المنتخب الذي يشير إليه الغلوسي، كما يبرز أن رأسمال الشركة لا يتجاوز مائة ألف درهم، وهو ما يضع علامة استفهام حول قدرتها على تنفيذ مشاريع معلنة بملايين الدراهم.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ يضيف الغلوسي أن الشخص الذي وُضع في الواجهة كمستثمر سرعان ما انسحب من المشروع، ليحل محله شخص آخر يرتبط بدوره بعلاقات مالية معقدة مع المنتخب نفسه، ويشير إلى أن هذا الإحلال يكرس فرضية استعمال الشركة كواجهة لتمرير عمليات يصفها بأنها مرتبطة بتبييض الأموال وتدويرها بطرق غير شفافة، تندرج ضمن سياق فساد بنيوي يستغل مشاريع عمومية كبرى.

الاستثمار المجاور للمحطة كفرصة لتضخيم الثروة

يعتبر الغلوسي أن المحطة الطرقية الجديدة، باعتبارها أحد مكونات “مراكش الحاضرة المتجددة” ، شكلت بالنسبة لشبكة الفساد فرصة ذهبية لإنشاء مشاريع مدرة للثروة في محيطها، فحسب روايته، لم يكن الهدف تحسين العرض العمومي أو تطوير الخدمات، بل استغلال القيمة العقارية المضافة التي يوفرها المشروع الملكي، عبر خلق أنشطة تجارية وفندقية مربحة في مواقع استراتيجية، ويصف هذا التهافت بأنه سعي للاستفادة من “دجاجة تبيض ذهباً” ، في إشارة إلى طبيعة الربح السريع الذي توفره مثل هذه المواقع.

لجان رسمية في قلب الإشكال ومسارٌ للشرعنة المصطنعة

يلفت الغلوسي إلى أن اللجان الجهوية للاستثمار والتعمير لعبت دوراً محورياً في تمرير قرارات تمنح المشروعية لمشاريع يراها خارج الضوابط، باعتبار أنها استُخدمت حسب وصفه كآلية لإلباس الفساد لبوساً مؤسسياً، ويؤكد في معرض حديثة أن توظيف هذه اللجان لا يمثل مجرد انحراف إداري، بل يعكس ما يسميه “دولة داخل الدولة” من خلال قدرة هذه الشبكات على التحكم في مسارات القرار العمومي وصياغة محاضر ووثائق تصنع واقعاً قانونياً يخدم مصالحها.

صراع بين من يكشفون الفساد ومن يسعون إلى تبييضه

يمضي الغلوسي إلى التأكيد على أن ما يُزعج المتورطين، حسب تعبيره، هو كشف هذه التفاصيل للرأي العام.. ويشير إلى أن محاولات التضليل لن توقف الجهود الرامية إلى تتبع خيوط الفساد والاغتناء غير المشروع وتبديد المال العام، ويطرح سؤالاً مركزياً يتعلق بمن يسيء فعلاً إلى مدينة مراكش: هل هم المبلغون عن التجاوزات أم الذين يعملون على تبرير ممارسات تُرتكب في واضحة النهار؟

مراكش وامتحان الشفافية في المشاريع الكبرى

تعيد المعطيات التي يقدمها الغلوسي إشكالية الحكامة في تدبير المشاريع العمومية إلى الواجهة، خاصة تلك التي لها طابع استراتيجي مرتبطة بتأهيل المدن وتحسين بنيتها التحتية.
ويطرح هذا الملف تساؤلات حول قدرة المؤسسات الرقابية على مواكبة الاستثمارات الكبرى وضمان احترام القانون ومنع تضارب المصالح، إلى جانب ضرورة تعزيز الشفافية في تدبير العقار العمومي الذي يظل مجالاً حساساً للانحرافات.

التشبث بالمطالبة بالمحاسبة… واستمرار المتابعة

يختتم الغلوسي طرحه بتأكيد الاستمرار في متابعة هذا الملف، مشيراً إلى أن ما يُكشف ليس سوى جزء من حلقات معقدة ستتضح تفاصيلها لاحقاً.. وبين ما يُعلن وما يُخفى، يظل جوهر القضية متعلقاً بمسار مشروع ملكي كان من المفترض أن يمثل رافعة تنموية لمراكش، قبل أن يحوله تنازع المصالح وشبكات النفوذ إلى مجال مفتوح للمساءلة والبحث والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى