الرئسيةمجتمع

التحليل الإخباري: هدر غذائي صادم…وأمن غذائي هش بالمغرب

يكشف تقرير مجلس المنافسة حول “السير التنافسي بقطاع المطاحن” ، عن مفارقة صادمة حيث تهدر الأسرة المغربية سنوياً 113 كيلوغراماً من الطعام، أي ما يعادل 12% من ميزانيتها الغذائية.. و المشكلة هنا لا تتعلق ببقايا “ترف غذائي” ،بل بهدرٍ يطال منتجات حيوية مثل الحبوب والخضر والفواكه، وهي مواد تحتاج إلى موارد مائية وزراعية شحيحة اصلا، في بلد يعيش على وقع الجفاف.. حيث يتحول الهدر إلى رفاهية غير مستحقة.

اكتفاءٌ غذائي هش… نصف الكأس فارغ

يكشف تقرير المجلس ان الإنتاج الوطني للحبوب يغطي فقط 50% من حاجيات الاستهلاك بين 2019 و2023،أي ان نصف السلة الغذائية مستورد، ونصف أسعارنا مرهونة لسوق دولية متقلبة.

و السبب، بحسب التقرير، هو “تراجع المساحات المزروعة، وعدم انتظام الإنتاج، والمخاطر المناخية”، بمعنى ابسط: سياسة زراعية مرتبكة، تُراهن على الغيب أكثر من التخطيط..في مشهد كهذا، يصبح الأمن الغذائي فكرة معلّقة أكثر مما هو سياسة فعالة.

تراجع استهلاك الحبوب… وتحول بطيء في نمط العيش

تراجع استهلاك المغاربة للحبوب بين 2014 و2022 بشكل واضح، وانخفضت حصتها في الإنفاق الغذائي من 16% إلى 12,5%.. هذا الانخفاض ليس تحوّلاً جذرياً، فالنظام الغذائي لا يزال قائماً على الخبز ومشتقاته، لكنّه يشير إلى “تنويع بطيء للسلة الغذائية”، وتحول أعمق في نمط الاستهلاك، فهو رقم ظاهره تنويع غذائي وباطنه تقلّص في جيوب الأسر.

ورغم هذا التراجع، لا تزال الأرقام تفضح الاعتماد الكبير: المغربي يستهلك 200 كلغ من القمح سنوياً، أي ثلاثة أضعاف المعدل العالمي، أما الإنفاق الفردي على الحبوب فارتفع من 697 درهماً سنة 2001 إلى 986 درهماً سنة 2022، بفعل تضخمٍ يواصل قضم القدرة الشرائية.

لحوم باهظة وحبوب منهكة… والمجتمع يتوحّد على الفاتورة

في ترتيب النفقات، تبقى الحبوب في المرتبة الثانية بعد اللحوم، التي أصبحت منتجاً شبه “ترفـي” بسبب أسعارها.. و تكمن المفارقة اللافت في الفجوة بين القرى والمدن التي تكاد تختفي: ففي 2022 بلغ معامل الإنفاق على الحبوب في العالم القروي 12,5%، قريباً من المستوى الحضري، ما يعكس توحّداً تدريجياً في العادات الغذائية… لكن على قاعدة هشّة، حيث أصبح اللحم ترفاً، والقمح عبئاً، والماء شحيحاً، والكرامة على المقاس.

خلاصة التقرير… وخلاصة الواقع

يخلص التقرير أن الانخفاض في استهلاك الحبوب لا يعني تحسناً، بل يكشف “تراجعاً في قدرة الأسر على شراء المواد الأساسية” ، مقابل هدر لا يزال مرتفعاً علاوة على ارتفاع في التبعية للاستيراد.. ، فقطاع الحبوب، كما يراه مجلس المنافسة، ليس فقط رهين المطر، بل رهين غياب رؤية زراعية وتجارية تُخرج “خبز المغاربة” من دائرة الأعطاب البنيوية،
إنها أزمة خبز… لكنها أيضاً أزمة تدبير، ووعي، وأولويات اقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى