الرئسيةرياضة

الكان يفضح هشاشة إعلامنا الرياضي

بينما تتجه أنظار القارة والعالم إلى المغرب، البلد المستضيف لكأس إفريقيا 2025، كان المنتظر أن تتحول القنوات الرياضية الوطنية إلى واجهة ثقافية بقدر ما هي منصة رياضية، وأن تستثمر الحدث القاري لتقديم صورة غنية ومتنوعة عن هوية البلد وتاريخه وعمقه الحضاري، غير أن المفارقة الصادمة أن هذه المهمة، التي يفترض أنها بديهية، قام بها “الآخر” وبأناقة لافتة، في وقت اكتفت فيه قنواتنا بأداء باهت لا يرقى إلى حجم المناسبة ولا إلى قيمة البلد.

استوديو صغير… ورسائل كبيرة

قناة Ziggo Sport الهولندية لم تحتج إلى خطابات رنانة ولا إلى ميزانيات خيالية لتلفت الانتباه.. فقط استوديو بسيط بطابع مغربي خالص، صالون تقليدي، قفطان، شاي بالنعناع، موسيقى شعبية، وتفاصيل دقيقة توحي بأن هناك من اجتهد ليفهم البلد الذي يستضيف البطولة قبل أن ينقل مبارياتها.. في خطوة تبدو شكلية، لكنها في عمقها تعبير عن احترام ثقافي ووعي رمزي بدور الإعلام الرياضي في بناء الصور الذهنية، ليس فقط عن المنتخبات، بل عن الشعوب أيضًا.

إعلامنا الرياضي… حين تتحول الاستضافة إلى عبء

في الجهة المقابلة، بدت التغطية المغربية للكان وكأنها تؤدى على مضض، ديكورات نمطية، استوديوهات بلا روح، خطاب متكرر، وضيوف يكررون أنفسهم أكثر مما يضيفون قيمة تحليلية أو ثقافية..

لا أثر لهوية البلد، ولا جهد يُذكر لتسويق المغرب كفضاء تاريخي وثقافي متنوع، رغم أن البطولة تُنظم فوق أرضه وأمام جماهيره.

مفارقة تفضح الأولويات المختلة

المؤلم في هذه المقارنة ليس أن قناة أجنبية أبدعت، بل أن إبداعها جاء ليكشف هشاشة اختيارات إعلامنا، كيف لقناة غير معنية مباشرة أن تنتبه لتفاصيل الهوية، بينما تغيب هذه التفاصيل عن قنوات وطنية يفترض أنها تحمل عبء التمثيل الرمزي؟

الإبداع لا يحتاج ميزانية… بل شجاعة

تجربة Ziggo Sport تؤكد حقيقة مزعجة للبعض: الإبداع لا يُشترى بالمال وحده، فهنا لا نتحدث عن نقص في الإمكانيات، بل عن غياب رؤية، وعن إعلام رياضي ما زال أسير منطق “نقل المباراة” بدل “سرد الحكاية” رغم الميزانيات المهمة، والدعم المؤسساتي الذي يفترض أن يتيح لها تقديم منتوج إعلامي يوازي على الأقل حجم التظاهرة.

في النهاية، لم تكن اللفتة الهولندية مجرد ديكور جميل، بل مرآة عاكسة.. مرآة أظهرت كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تصنع فرقا كبيرا، وكيف يمكن للإعلام، حين يفتقد للخيال والهوية، أن يتحول من قوة ناعمة إلى عبء ثقيل، حتى وهو يلعب على أرضه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى