
أعاد البيان الصادر عن النقابة الوطنية الديمقراطية للمالية فتح نقاش حاد حول الكيفية التي جرى بها تنزيل قرار تحويل تدبير بعض القباضات من الخزينة العامة إلى الجماعات الترابية، بعد توثيقه لممارسات وُصفت بغير القانونية، شملت إخراج موظفين بالقوة، تغيير أقفال مرافق عمومية، وفرض الإخلاء دون احترام المساطر الإدارية والتنظيمية الجاري بها العمل.
الوقائع الميدانية، كما عاينتها النقابة وعبّر عنها الموظفون المعنيون، توحي بأن القرار لم يُنفّذ في إطار إصلاح إداري مؤطّر ومُتدرّج، بل بمنطق الفرض والأمر الواقع، ما أدخل مرافق مالية حساسة في حالة توتر مهني ومؤسساتي، وأثار تساؤلات تتجاوز هذا الملف بعينه إلى طبيعة توازن السلط داخل الإدارة العمومية، وحدود الاختصاص بين القطاعات الوزارية والمؤسساتية.
غياب التأطير المؤسساتي… ولا حوار اجتماعي
تفيد المعطيات المتوفرة أن نور الدين بنسودة، الخازن العام للمملكة، لم يفتح أي حوار فعلي مع الشركاء الاجتماعيين، ولم يصدر إجراءات تنظيمية واضحة تؤطر مرحلة الانتقال أو تحمي الوضعية الإدارية والمهنية للموظفين المعنيين.
هذا الغياب في التأطير جعل التحول يتم دون بوصلة مؤسساتية واضحة، وترك المجال مفتوحًا لاجتهادات ميدانية وتدخلات خارج منطق التنسيق الإداري، في ملف يرتبط مباشرة بالمال العام وبثقة المواطنين في الدولة ومرافقها.
تدخل قسري ومنطق الإجلاء
في المقابل، جرى تنزيل القرار ميدانيا عبر تدخل السلطات المحلية وفرض الأمر الواقع، دون أي مسار تفاوضي أو حلول انتقالية، فقد طلب من الموظفين إخلاء مقرات القباضات في آجال فجائية، في إجراءات طُبّقت بمنطق الإجلاء لا بمنطق تدبير مرفق عمومي حيوي، يفترض فيه الاستمرارية، وضمان الأمن الوظيفي، وحماية السير العادي للتحصيل المالي.
حين تتوسع السلطة الترابية خارج مجالها
الأخطر في هذا المسار ليس فقط طريقة التنفيذ، بل ما يعكسه من توسع لسلطة التدخل الترابي في مجالات لا تدخل ضمن اختصاصها، فأن يمتد التدخل إلى تدبير القباضات، بل وإلى مجال استخلاص الضرائب والموارد المالية، يطرح أسئلة جوهرية حول حدود الاختصاص، واحترام مبدأ فصل الوظائف داخل الدولة، واستقلالية المرافق المالية عن منطق السلطة الإدارية.
هل نحن أمام إعادة رسم غير معلنة لخريطة السلطة داخل الإدارة العمومية؟
وأي رسالة تُوجَّه حين تُدار المرافق المالية بأدوات السلطة الترابية بدل القواعد المحاسباتية والإدارية؟




