الرئسيةسياسةفي الواجهةمنوعات

ونحن نطوي صفحة 2025: كيف فرض جيل “زد” أسئلته؟

لم تكن سنة 2025 مجرد رقمٍ في روزنامة الزمن، بل كانت مفترقا حادا بين ما كان يُعتقد أنه مستقر، وما تبين أنه هش وقابل للانهيار.

اقرأ أيضا…

ترقبوا في “دابا بريس”: 12 حدثا، في توديع 2025

سنة تداخل فيها السياسي بالإنساني، والثقافي بالوجودي، والرقمي بالمأساوي، حتى بات من الصعب الفصل بين الخبر والسؤال، وبين الحدث ومعناه العميق.

جيل “زد”… حين خرج الفاعل غير المتوقع إلى قلب السياسة

لم تكن الحركة السياسية، على اختلاف تلاوينها الإيديولوجية والتنظيمية، تتوقع أن يخرج جيل “زد” إلى الواجهة بوصفه فاعلًا مباشرًا في الفعل الاحتجاجي والسياسي. جيلٌ نشأ خارج القوالب الكلاسيكية للعمل الحزبي، ولم يتدرّب في هياكل النقابات أو التنظيمات الطلابية التقليدية، لكنه فرض حضوره بقوة الواقع، لا عبر الشعارات الكبرى، التي كانت في إبانها ثورة، بل من خلال قضايا اجتماعية محضة تمسّ تفاصيل العيش اليومي للمغاربة.

ركزت مطالب هذا الجيل، في لحظة اجتماعية متوترة، على ملفات التعليم والصحة ومحاربة الفساد، باعتبارها عناوين تختزل عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها المجتمع. ولم تكن هذه المطالب معزولة عن سياقها، بل جاءت بمثابة جرس إنذار لتوسّع الفوارق الطبقية والمجالية، وتراجع منسوب العدالة الاجتماعية، في ظل سياسات عمومية عجزت عن تقليص الهوة بين المركز والهامش.

ما ميّز حراك جيل “زد” هو وضوح المطالب ورفضه الصريح لكل أشكال الوصاية، سواء من الأحزاب السياسية أو من الفاعلين التقليديين في المشهد الاحتجاجي. فقد عبّر هذا الجيل، بلغة جديدة وأدوات رقمية، عن عدم رضاه عن ترتيب الأولويات في المغرب، واعتبر أن السياسات العمومية لم تعد تعكس انتظارات فئات واسعة من الشباب، ولا تستجيب لحاجاتهم الأساسية.

غير أن هذا الخروج المفاجئ إلى الفضاء العام قوبل بحملة قمع واسعة، عكست حجم الارتباك الذي أحدثه هذا الفاعل الجديد. إذ جرى تقديم أكثر من 1400 شاب وشابة على أنظار القضاء، توبع جزء منهم في حالة اعتقال، في خطوة اعتبرها متابعون محاولة لاحتواء الظاهرة عبر المقاربة الأمنية بدل فتح قنوات الحوار والاستيعاب السياسي.

وأعادت هذه المتابعات القضائية إلى الواجهة أسئلة قديمة-جديدة حول حدود الاحتجاج، وحرية التعبير، وكيفية تعاطي الدولة مع أشكال التنظيم غير التقليدية التي لا تخضع لمنطق الوساطة الحزبية أو النقابية. كما كشفت، في العمق، عن فجوة متزايدة بين جيل جديد يبحث عن معنى للسياسة في حياته اليومية، ومؤسسات لا تزال تشتغل بمنطق قديم.

جيل “زد” لم يقدّم نفسه كبديل جاهز، ولم يطرح مشروعًا سياسيًا مكتمل الأركان، لكنه نجح في كسر الصمت، وفرض أسئلته على الأجندة العمومية، مذكّرًا بأن الاستقرار الاجتماعي لا يُقاس فقط بالأرقام والمؤشرات، بل بقدرة السياسات العمومية على منح الشباب أفقًا ومعنى ومشاركة فعلية في القرار.

ونحن نطوي صفحة سنة 2025، لا يفرض جيل “زد” نفسه بوصفه حدثًا عابرًا، بل كسؤال ثقيل عن اتساع الهوّة بين الحركة السياسية، بمختلف تلاوينها، وشارعٍ منتفض يطالب بمصالحة السياسة مع ضغط الحاجيات اليومية للناس.

أسئلة تكشف عجز الوسائط التقليدية عن التقاط نبض جيل يتكلم بلغة مختلفة، ويحتج خارج القوالب المألوفة، رافضًا منطق الوصاية والتأطير الجاهز.

وفي العمق، يضع هذا الخروج غير المتوقع الدولة أمام تحديات بنيوية، تتعلق بغياب الاستثمار في أسئلة المستقبل، والارتهان لمنطق تدبير الآني وربح الوقت، بدل بناء سياسات تستبق الأزمات وتستوعب تحولات المجتمع.

وبين جيل يطالب بحقه في التعليم والصحة والكرامة، ومؤسسات تشتغل بإيقاع متردد، تتراكم الأسئلة أكثر مما تتقدّم الإجابات، في مشهد يجعل من 2025 سنة فاصلة، لا بما انتهت إليه، بل بما فتحته من احتمالات مؤجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى