” حلاق درب الفقراء” لمحمد الركاب..ميلود بطل من أيام الخوف
01/01/2026
0
بقلم الناقد السينمائي محمد بكريم
أول ما يثير الاهتمام حول فيلم “حلاق درب الفقراء (1982)” يتعلق بشخصية مخرجه، الراحل محمد الركاب، والسياق الخاص الذي شهد انجاز الفيلم، ونهجه الفريد تجاه واقع مغربي معقد للغاية.
مجموعة من المعطيات الذاتية والموضوعية، من داخل السينما ومن خارجها، تجعل من الفيلم “الحلاق”… ومؤلفه يتمتعان بهالة ويُذكران بين الأفلام والمخرجين المفضلين لدى عشاق السينما، بغض النظر عن الصفات الجوهرية للفيلم.
لأن إحدى ميزات الراحل الركاب (الذي توفي للأسف مبكرًا وبعد مرض عضال في عام 1990) هو التزامه بجانب نوادي السينما والجمعيات الثقافية والطلاب…
كانت تربطني به علاقة صداقة مؤسسة على الاحترام والالتزام…هاتفني ذات مرة وهو يستعد للسفر الى الأردن ليقول لي “أفكارك هي أفكاري…” وكان يلمح إلى ما هو سينمائي وأبعد، إلى كل ما يتعلق بالفضاء العام.
لا أتذكر بأنه ولو مرة واحدة وجدت باب بيته مغلقا (غير بعيد عن قاعة السينما الجميلة لانكس): لقد كان دوما مفتوحا في وجه الجميع. قلب كبير وإنسان مسكون بهواجس الزمن والحياة.
ينتمي الركاب إلى الجيل الثاني من السينمائيين المغاربة
الركاب، وإدا أردنا مسايرة التصنيف على الطريقة الصينية، ينتمي إلى الجيل الثاني من السينمائيين المغاربة.
بعد تكوين أكاديمي رصين، سينمائي وجامعي في موسكو وبروكسل وباريس، عاد الركاب إلى بلاده وعمل أولاً في التلفزيون، وعمل أستاذا في معهد الصحافة، وأدار أوراش عمل للطلاب في الجامعة. (خاصة ابن مسيك).
في عام 1976، شارك في تجربة فريدة مع مجموعة من السينمائيين القاطنين بالدار البيضاء (الدرقاوي، لقطاع، بلعكاف…) في إنتاج فيلم جماعي، “رماد الزريبة”… حيث كان مسؤولاً بشكل خاص عن الإخراج.
فكرة كلها سخاء وطموح، تحمل طابع الأيديولوجية السائدة في ذلك الوقت. نشأ خلاف أثناء التصوير أدى إلى نزاع حول توقيع الفيلم. تم التوصل إلى تسوية مؤقتة لينتهي الأمر باعتبار الفيلم من اخراج جماعي.
محمد الركاب التزم بعد ذلك في التحضير لفيلمه الروائي الطويل الأول.
سيكون فيلم “حلاق درب الفقراء” الذي لن يرى النور إلا في عام 1982 بعد سلسلة من المآسي والمشاكل المالية التي طالت تصويره. سنة 1982 هي سنة محورية في تاريخ السينما المغربية. أولاً من الناحية التجارية، ستشكل ذروة للاستغلال وبداية تراجع عدد الحضور، مع 246 قاعة وحوالي 40 مليون تذكرة مباعة.
كانت هذه السنة أيضًا هي السنة التي شهدت تنظيم النسخة الأولى من المهرجان الوطني للفيلم في الرباط.
شهدت الإنتاجات الوطنية بداية انطلاق مع إرساء منحة الإنتاج؛ وهي صيغة مساعدة تلقائية سمحت بإنتاج حوالي عشرين فيلمًا بين عامي 1980 و1982، بما في ذلك فيلم الركاب،
وشجعت المهنة على مبادرة إنشاء مهرجان وطني للفيلم مع مسابقة.
كانت النسخة الأولى في الرباط وشهدت نقاشات حادة. “حلاق درب الفقراء” أثار الكثير من الاهتمام وحصل على تنويه خاص. على الصعيد الدولي، سيُمنح الفيلم أيضًا جوائز في قرطاج وواكادوكو، لجودة صورته (التي وقعها الركاب بنفسه)، وقوة أداء محمد حبشي، الذي كان مذهلاً في الحقيقة في الدور الرئيسي. السيناريو هو اقتباس لمسرحية “الكيرة/الحرب” ليوسف فاضل الذي يشارك في الفيلم ككاتب للسيناريو والحوار.
مقطع افتتاح الفيلم غني الدلالات. يضعنا على الفور أمام برنامجه الرئيسي: علاقة الشخوص بالمكان، المكان كفاعل درامي وكجغرافية للوضع الإنساني.
صوت خارجي، صوت الحلاق، على صُور من الدار البيضاء يتحدث عن المدينة-الغول.
كل مسار ميلود هو مسار تجريد. تجريد ميلود من كل يملك. يفقد متجره، وزوجته، وأصدقائه، وخاصة أوهامه الهزيلة.
المشهد الأول يرسم أيضا أفق تطور القصة وبشكل استعاري يشير إلى اختيارات الفيلم الدرامية والجمالية المضادة للسائد. مشهد تحت علامة الخرق والتجاوز: أحد المارة يعبر حيث لا يجب. شرطي يجبره على التراجع واتباع التعليمات لعبور هذه الساحة الشهيرة في الدار البيضاء.
هذا المار ليس سوى صديق لميلود، فقد خرج للتو من السجن وسيمضي الليلة عند صديقه الحلاق في حي الفقراء. إنه العنصر المحفز لسلسلة من الأحداث التي تعكس عنف العلاقات الاجتماعية؛ عنف أفقي بين الناس العاديين يتميز بالنميمة والجبن، ولكن أيضًا عنف عمودي، عنف طبقي مع المالك الأمي الذي سيستولي على متجر ميلود، ويسجنه، ويأخذ زوجته منه.
يستغل الركاب هذه الفرصة لرسم صورة للمثقف الذي يتنازل أمام السلطة
يستغل الركاب هذه الفرصة لرسم صورة للمثقف الذي يتنازل أمام السلطة من خلال دور الفقيه (عمر شنبوط في دور لا يُنسى)، الناطق باسم الطبقة الحاكمة وقلمها؛ الذي لا يتردد في تقبل جميع الأدوار التي تُسند إليه (يصبح جزارًا). قبل أن تأتي نهاية غرائبية لتعيد كل شيء إلى التساؤل.
الفيلم لا يبقى حبيس هذا الفضاء المغلق فهو يؤسس لبنية اخراجية “بريختية” تستدعي مُشاهد يقظ بتشكيل فضاء سينمائي مواز لفضاء القصة: الفيلم لا يتردد في مخاطبة المشاهد عبر إشارات مباشرة (لوحات تقدم المكان أو أسماء الشخصيات) أو عبر حركات الكاميرا التي بدورها لا تتردد في توقيف السرد من أجل الوصف أو في إعادة تكوين/تشكيل اللقطة عبر اضاءة قاتمة، معتمة في إحالة إلى زمن الشخصيات. زمن الانحصار والانكسار الذي ينتهي بانفجار عبثي.