
في ظل رفض نقابي متزايد وتحفظات واسعة داخل البرلمان، فجر مشروع القانون رقم 54.23 المتعلق بتغيير وتتميم نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض نقاشا حادا، خصوصا بعد تنصيصه على دمج صندوقي كنوبس والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، وهو خيار اعتبرته النقابات مساسا باستقرار المنظومة وحقوق العاملين، فيما أثار لدى النواب مخاوف عميقة تتجاوز الجانب التقني إلى جوهر الإصلاح نفسه.
تعقيدات هيكلية مرتبطة بتوحيد نظامين مختلفين
وبحسب تقرير لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب،، الذي اطلعت “دابا بريس” على مضامينه، شدد البرلمانيون على أن أهمية المشروع لا تُخفي حجم التحديات التي يطرحها، وفي مقدمتها وضعية الموارد البشرية والحقوق المكتسبة، وضمان استمرارية وجودة الخدمات، إضافة إلى التعقيدات الهيكلية المرتبطة بتوحيد نظامين مختلفين يخصان القطاعين العام والخاص.
واعتبر متدخلون أن إسناد تدبير التأمين الصحي بالقطاع العام من كنوبس إلى CNSS يشكل سابقة محفوفة بالمخاطر، بالنظر إلى الفوارق العميقة بين النظامين، سواء من حيث نسب الاشتراكات، أو مستويات التغطية والتعويض، أو آجال معالجة الملفات، خصوصا المتعلقة بالأمراض المزمنة والمكلفة.
وربط نواب خيار الإدماج بالوضعية المالية الصعبة التي يعيشها كنوبس، في ظل عجز متراكم وغياب رؤية إصلاحية شاملة، متسائلين عما إذا كان المشروع سيحول دون الإفلاس المرتقب في أفق 2027، أم سينقل العبء المالي إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
نظام التأمين الصحي الذي يدبره كنوبس يسجل عجزاً تقنيا متواصلا
وفي هذا السياق، جرى التذكير بأن نظام التأمين الصحي الذي يدبره كنوبس يسجل عجزا تقنيا متواصلا منذ 2016-2017، بسبب اختلال واضح بين نمو الاشتراكات، الذي لم يتجاوز في المتوسط 4.5%، وارتفاع نفقات العلاج بنسبة تناهز 14.3%.
بالمقابل، عبر النواب عن قلقهم من قدرة CNSS على تحمل المهام الجديدة، في ظل التوسع السريع في عدد المستفيدين خلال السنوات الأخيرة، وما رافقه من ضغط على الموارد البشرية والمالية، واختلالات مجالية في توزيع الخدمات، إضافة إلى التأخر في التحول الرقمي وتحيين نظم المعلومات.
كما أثار المشروع مخاوف تتعلق بحماية المعطيات الشخصية للمؤمنين، خاصة مع إمكانية تفويض بعض مهام التدبير لجهات أخرى، وهو ما اعتبر تهديدا لسرية الملفات الصحية يستدعي ضمانات قانونية صارمة.
وشكلت وضعية العاملين في كنوبس إحدى أبرز نقاط التوتر، إذ طالبت النقابات والنواب بالتنصيص الواضح على حماية حقوقهم المكتسبة، خاصة في ما يتعلق بالأقدمية والترقية والتقاعد، محذرين من غياب أي ضمانات صريحة في نص المشروع.
إلغاء نظام التأمين الإجباري عن المرض الخاص بالطلبة
ومن بين النقاط المثيرة للجدل أيضا، مسألة إلغاء نظام التأمين الإجباري عن المرض الخاص بالطلبة، الذي يستفيد منه نحو 650 ألف طالب، وما قد يترتب عن إدماجهم في أنظمة أخرى من تعقيدات إدارية وتكاليف إضافية.
وأكد النواب أن استدامة تمويل ورش الحماية الاجتماعية تظل التحدي الأكبر، داعين إلى مقاربة قائمة على الحكامة وضبط النفقات، فيما اقترح بعضهم سن قانون خاص للتحكم في نسب العجز.
كما طُرح مستقبل التعاضديات وعلاقتها بالصندوقين في ظل الإدماج المرتقب، وسط انتقادات لغياب مقاربة تشاركية واضحة، مقابل تسجيل اختلالات في الحكامة والشفافية داخل بعض التعاضديات، مع التأكيد على ضرورة إخراج قانون التعاضد العالق بمجلس المستشارين.
وخلال النقاش، أُثير أيضاً ملف المنقولات والممتلكات، مع التشديد على إلزام التعاضديات بإثبات ملكيتها لها، باعتبار أن جزءا مهما منها ممول من المال العام ويعود في الأصل إلى الدولة.





