
تحرير: بثينة المكودي
لم يعد غلاء أدوية السرطان في المغرب مجرد معطى عرضي داخل منظومة صحية متعثرة، بل تحوّل إلى خطر ممنهج يهدد حياة آلاف المرضى، في ظل أسعار تفوق الدخل السنوي لأسر كاملة، وصمت رسمي يطرح أكثر من سؤال حول من يتحكم فعليا في سوق الدواء، ومن يدفع ثمن هذا الاختلال.
أرقام صادمة: العلاج أغلى من الدخل
وفق معطيات متداولة داخل النقاش البرلماني والمهني، تتجاوز كلفة بعض بروتوكولات علاج السرطان 30 إلى 50 ألف درهم شهريا، في حين لا يتجاوز متوسط الأجر الصافي بالمغرب 3.000 إلى 3.500 درهم؛ بمعنى آخر، فإن مريض واحد يحتاج إلى ما يعادل 10 إلى 15 ضعف دخل أسرة متوسطة فقط ليستمر في العلاج شهرا واحدا.
حيث دواء ZYTIGA CO 250MG يبلغ ثمن العلبة الواحدة حوالي 11.451 درهما، فيما يحتاج المريض غالبا إلى ثلاث علب شهريا، هذه الكلفة لا تشمل الفحوصات، ولا التنقل، ولا الأدوية المرافقة، ما يرفع الفاتورة الإجمالية إلى مستويات غير قابلة للتحمل.
المغرب أغلى من دول بمداخيل أعلى
مقارنات غير رسمية، أجراها مهنيون في القطاع، تُظهر أن بعض أدوية السرطان تُسوق في المغرب بأسعار أعلى أو مماثلة لأسعارها في دول ذات دخل فردي أعلى بكثير، ففي بلدان تعتمد آليات تفاوض صارمة مع المختبرات، أو تفرض الجنريك بشكل واسع، تنخفض الأسعار بنسب تتراوح بين 30 و60 في المائة، بينما يظل المريض المغربي رهين السعر الكامل.
سوق بمليارات… ورقابة ضعيفة
يُقدّر رقم معاملات سوق الأدوية بالمغرب بمليارات الدراهم سنوياً، مع هيمنة واضحة لعدد محدود من المستوردين والموزعين، هذا التركّز يمنح لوبيات الدواء قدرة تفاوضية عالية، مقابل ضعف آليات الضبط والمساءلة.
وبالرغم من وجود نصوص تنظيمية للتسعير، فإن غياب الشفافية في تحديد هوامش الربح وكلفة الاستيراد يجعل السعر النهائي خارج أي نقاش عمومي.
الصمت الرسمي: إدارة أزمة لا مواجهة اختلال
في مقابل هذه الأرقام، يبرز صمت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، الذي يُفسَّر، وفق فاعلين، بالخوف من كلفة المواجهة مع لوبيات نافذة، وباختيار منطق تدبير الملف بدل حسمه.
فبدل مراجعة شاملة لسياسة تسعير الأدوية، أو فرض تسقيف صارم على أدوية الأمراض الخطيرة، يتم الاكتفاء بإحالة الأسئلة على لجان ومساطر معقدة، لا يشعر المرضى بنتائجها.
التعويض… شبكة مثقوبة
ورغم تعميم التغطية الصحية، فإن الواقع يُظهر أن عدد كبير من أدوية السرطان غير معوضة كليا أو جزئيا، أو أن مساطر التعويض بطيئة ولا تواكب الاستعجال العلاجي، والنتيجة مرضى يحملون بطاقات التغطية، لكنهم عاجزون عن شراء الدواء.
مرضى خارج الحسابات
تحقيقات ميدانية وشهادات جمعوية تفيد بأن مرضى كُثر يضطرون إلى توقيف العلاج مؤقتا أو نهائيا، أو الى بيع ممتلكات شخصية، واحيانا اللجوء إلى حملات تبرع أو استعمال أدوية بديلة غير مضمونة، وهي خيارات لا تُقاس فقط بالكلفة المالية، بل بثمن صحي قد يكون قاتلاً.
من يدفع الثمن؟
في المحصلة، تكشف الأرقام أن معركة مرضى السرطان في المغرب لم تعد فقط ضد المرض، بل ضد منظومة تسعير غير عادلة، وسوق دواء محصّن باللوبيات، وقرار سياسي مؤجل.
وبين صمت الوزارة وقوة المصالح الاقتصادية، يُترك المرضى في منطقة رمادية، حيث يصبح الحق في العلاج امتيازا، وتتحول الحياة إلى رقم في فاتورة.
مرضى في مواجهة مباشرة مع واقع قاس
في ظل هذا الصمت، يترك مرضى السرطان في مواجهة واقع صحي واجتماعي قاس، حيث يقاس الحق في العلاج بالقدرة على الدفع، وتتحول الحياة إلى معركة غير متكافئة مع المرض والكلفة معا، وهو واقع يعكس أزمة أعمق في الحكامة الصحية، عنوانها تأجيل المواجهة مع لوبيات الدواء، على حساب حق أساسي في العلاج والحياة.





