
جمهور كرة القدم وعصر “القبائل العاطفية”
كيف نفهم أو بالأحرى كيف نقرأ هذا التدفق الحماسي الذي يعيشه جمهور المدرجات وعموم المتفرجين المتتبعين لمباريات كرة القدم.
أبانت التفسيرات التبسيطية الأحادية المقاربة عن عجزها النظري
أو بالأحرى من أية زاوية يمكن مقاربة هذه الأجواء الاستثنائية المرافقة لمنجزات الفريق الوطني في دورة كان الحالية.
لقد أبانت التفسيرات التبسيطية الأحادية المقاربة عن عجزها النظري خاصة ان كانت صادرة من رؤية “ارستقراطية” تبخس كل أشكال التعبيرات الشعبية (من سينما ألى الغناء الى كرة القدم).
فلاش باك: ذات مرة حضرت بالمركب الثقافي “المعاريف”- محمد زفزاف حاليا- عرضا للفيلم الجميل “بيضاوة” للمخرج المغربي الكبير عبد القادر لقطع. وصلت متأخرا نسبيا فوجدت القاعة ممتلئة عن آخرها وصعدت الى الطابق العلوي «البالكون” مع جمهور مختلف عن الجمهور الرسمي …
وفي مشهد تأسيسي يقدم احدى تفاصيل حياة احدى شخصيات الفيلم والتي جسدها ببلاغة وافتصاد الفنان الراحل بنبراهيم. مشهد داخلي ليلي وجهاز التلفاز يقدم مباراة في كرة القدم.
وفي احدى اللحظات القوية دراميا تقترب الكاميرا من شاشة التلفاز لتتحول الى شاشة واحدة يتتبع فيها مشاهد الفيلم مجريات المباراة التي كانت تجمع بين الرجاء البيضاوي وفريق آخر وفي تلك الاثناء كان صوت سعيد زدوق (الصحافي الرياضي المعروف) يصف ما يجري وكأن المقابلة منقولة على شاشة السينما. والآن سنين بعد ذلك لم ولن أنسى ما وقع: صوت المذيع: «جريندو…جريندو…. هداااااااااف” … وفي لحظة من التماهي المنقطع النظير اهتز البالكون بكل من فيه وكأننا في مركب محمد الخامس (دونور) مع جمهر “المكانة”…روعة. تحركنا في نفس اللحظة وكأننا جسد واحد.
لكي نفهم لا بد من جرعة من التعاطف (empathie) وأحيل هنا الى مفهوم “القبائل العاطفية”.
نعم ممكن إغناء النقاش بتحليل ظاهرة “جمهور كرة القدم” من منظور “القبائل العاطفية” هو مدخل عميق لفهم لماذا نتحول خلف الشاشات وفي المدرجات إلى كائنات تفيض بالمشاعر والانتماء. في علم الاجتماع الحديث، يُنظر إلى مشجعي كرة القدم ليس كعشاق للعبة رياضية فحسب، بل كأفراد يبحثون عن “القبيلة” التي تمنحهم الهوية والأمان النفسي في عالم مادي متسارع.
فمع تراجع دور القبيلة التقليدية أو الروابط الاجتماعية المحلية في المدن الكبرى، أصبحت أندية كرة القدم هي “الملاذ العاطفي” الأخير…
وأود أم اشير هنا إلى كتاب هام صدر السنة الماضية للمفكر المغربي حسن طارق بعنوان «ما الذي تركته المشاعر للسياسة” حيث يشتغل على حقل معجمي ومفاهيمي يفيد في مقاربة تحليلية لهذه “القبائل الجديدة” التي تخترق الفضاء العام.
عودة القبيلة في شكل جديد ما بعد حداثي حيث تقدم الحشود ويتراجع الفرد
التشخيص واضح: نعيش ظاهرة تقاسم المشاعر في تجمعات ضخمة. يتم الحديث عن “كاتدرائيات شعورية”. من سمات المرحلة الانخراط في مجموعات ذات كثافة في المشاعر المقتسمة.
عودة القبيلة في شكل جديد ما بعد حداثي حيث تقدم الحشود ويتراجع الفرد. و يمكن أن نتساءل حول نصدير مفهوم “القبيلة” إلى جمهور المدرجات؟ المصطلح يشير إلى تجمعات بشرية لا تربطها صلة دم أو جغرافيا بالضرورة، بل يجمعها “رابط شعوري” مكثف. بعض العلامات وكيفية اشتغالها في مجال كرة القدم قد تمنح المشروعية لهذه المقاربة:
• الهوية المشتركة: القميص، الشعار، والأغاني (الأهازيج) هي “الوشوم” المعاصرة التي تميز أفراد القبيلة عن غيرهم.
• “العدو” المشترك: لا تكتمل هوية القبيلة العاطفية إلا بوجود “غريم”. التنافسية (مثل الكلاسيكو أو الديربيات) تعزز التلاحم الداخلي من خلال تمييز “نحن” ضد “هم”.
الاحتفالات في الميادين هي طقوس “مقدسة” تعيد إحياء الانتماء للقبيلة
• الطقوس الجماعية: التجمع في المقاهي، السفر خلف الفريق، والاحتفالات في الميادين هي طقوس “مقدسة” تعيد إحياء الانتماء للقبيلة.
وعودة إلى تحليل الأستاذ حسن طارق يمكن القول إننا أمام “كاتدرائيات افتراضية” مشكلة بالكامل من المشاعر تظهر في لحظة وتتلاشى بنفس السرعة…
كل المشاعر الرئيسية: الخوف، الاعجاب، الشفقة، الألم، الحماس، الغضب …يمكنها أن تجتاح في لحظات معينة كل الجسد الاجتماعي…وهكذا نفهم أنه ليس هناك تناقض ما بين مغرب حراك خريف 2025 ومغرب “الكان”…إنه المغرب المتعدد بمجتمعه الديناميكي




