الرئسيةمجتمع

قبيل عيد الأضحى..نار أسعار الفحم تشتعل

مع اقتراب عيد الأضحى، تتكشف مفارقة صارخة في الأسواق المغربية، حيث لم يعد الفحم مجرد مادة مرافقة لطقوس الشواء، بل تحول إلى مؤشر دقيق على اختلالات أعمق تمس الاقتصاد القروي والسياسات الغابوية، فأسعار الفحم، وخاصة“

“فحم الليمون”، قفزت بشكل صادم من أربعة دراهم للكيلوغرام خلال الموسم الماضي إلى ما بين ثمانية وتسعة دراهم في أسواق الجملة، بينما تصل في بعض نقاط البيع إلى 13 درهما، في سياق يتسم بندرة غير مسبوقة وارتباك واضح في سلاسل التوريد.

اختلال العرض… بين الطبيعة وإدارة الغابة

لا يمكن فصل هذا الارتفاع عن واقع بيئي مأزوم، حيث يشهد الغطاء الغابوي بالمغرب تراجعا مقلقا وفق معطيات رسمية تشير إلى فقدان آلاف الهكتارات سنويا بفعل الجفاف والاستغلال المفرط، وفي هذا السياق، يؤكد مهنيون أن ندرة الخشب، خاصة من أنواع “الكروش” و”الليمون”، ليست مجرد ظرفية عابرة، بل نتيجة مباشرة لسنوات من التدبير المرتبك للثروة الغابوية.. فالتأخر في تنظيم “الدلالة” السنوية ومنح رخص استغلال الأشجار خلق فراغا إنتاجيا خانقا، جعل العرض يتهاوى في لحظة ذروة الطلب.

وتكشف شهادات من داخل القطاع أن مناطق الجنوب، خاصة سوس ونواحي تارودانت، التي كانت تمثل خزانا أساسيا للخشب، تعرضت لضربات متتالية بفعل الجفاف الذي أتى على ضيعات الحوامض، مما دفع الفلاحين سابقا إلى تحويل الأشجار إلى فحم، في موجة إنتاج مؤقتة أغرقت السوق قبل أن تنضب بشكل كامل، تاركة وراءها فراغا لا يمكن تعويضه بسهولة.

اقتصاد موسمي مختنق… والمستهلك يدفع الثمن

في ظل هذا التراجع الحاد في الإنتاج، يجد المستهلك نفسه في مواجهة أسعار مضاعفة دون بدائل حقيقية، فحتى الأنواع “البديلة” مثل “العشبة” أو *المخلط”، التي تُنتج من بقايا الأشجار المثمرة كالزيتون والخروب واللوز، لم تعد حلا اقتصاديا، إذ استقر سعرها في حدود 9 دراهم، وهو رقم يعكس بدوره ضغطا متزايدا على الموارد.

وتشير التقديرات إلى أن الطلب على الفحم خلال فترة عيد الأضحى يرتفع بنسبة تتجاوز 40% مقارنة بباقي أشهر السنة، ما يجعل أي اختلال في العرض يتحول مباشرة إلى أزمة أسعار، في المقابل، يغيب أي تدخل فعلي لضبط السوق أو دعم سلاسل الإنتاج، ما يترك المجال مفتوحا أمام المضاربة واستغلال الظرفية.

سياسات غابوية تحت المجهر… ومفارقة الأولويات

و تكمن المفارقة الأكثر إثارة للجدل في توجيه الموارد الغابوية نحو صناعات أكثر ربحية، كما هو الحال في منطقة سيدي يحيى الغرب، حيث يتم استغلال الأشجار في إنتاج “المادري” بدل توجيهها لسوق الفحم، في المقابل، تخضع غابات الشمال لما يسمى “الراحة البيولوجية” ، وهي إجراءات بيئية ضرورية، لكنها تكشف غياب توازن في تدبير الموارد بين الحماية والاستغلال، ما يطرح تساؤلات حادة حول نجاعة السياسات العمومية في هذا المجال، خاصة في ظل غياب رؤية مندمجة تضمن استدامة الغابة وتلبية حاجيات السوق في آن واحد، وبين جفاف ينهك الطبيعة، وإدارة متعثرة تعمق الأزمة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يدفع ثمن اختلالات لا يد له فيها، في موسم يفترض أن يكون عنوانا للفرح، فإذا به يتحول إلى اختبار جديد لقدرة الأسر على التحمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى