
° تحرير: جيهان مشكور
كشفت المنظمة الديمقراطية للشغل، في تقييمها للحصيلة الاجتماعية لسنة 2025 واستشرافها لآفاق 2026، عن صورة قاتمة لوضع اجتماعي يتآكل بصمت تحت وطأة اختلالات بنيوية مزمنة، لم تفلح السياسات العمومية ولا القوانين المالية المتعاقبة في معالجتها، بل ساهمت في كثير من الأحيان في تعميقها.
لا يكتفي التقرير بوصف الأعطاب، بل يضع أصبعه مباشرة على مكامن الخلل في منظومة تدبير الشأن الاجتماعي والاقتصادي، حيث تبدو العدالة الاجتماعية شعاراً مرفوعاً أكثر منها ممارسة متجذّرة في السياسات العمومية.
قانون مالي بلا روح اجتماعية
يبرز التقرير أن القانون المالي لسنة 2025 جاء محمّلاً بلغة تقنية وأرقام كبرى، لكنه فقير من حيث الأثر الاجتماعي الملموس.. فبينما ارتكز الخطاب الرسمي على التحكم في التوازنات الماكرو-اقتصادية وتقليص العجز، تمّ التعامل مع البعد الاجتماعي كمتغير ثانوي قابل للتأجيل، وترى المنظمة أن هذا التوجه يعكس فهماً ضيقاً لدور المالية العمومية، التي تحوّلت من أداة لإعادة التوزيع وتقليص الفوارق إلى مجرد آلية محاسباتية لضبط الأرقام، ولو كان الثمن مزيداً من الهشاشة لفئات واسعة من الأجراء والطبقة الوسطى.
نظام ضريبي يُكافئ الريع ويُعاقب العمل
أحد أكثر محاور التقرير حدّة يتمثل في النقد اللاذع للنظام الضريبي، الذي تصفه المنظمة بغير العادل وغير المتوازن، فالضغط الجبائي ما زال يتمركز بشكل أساسي على الأجور والدخول الثابتة، في حين تستفيد قطاعات ريعية وأنشطة ذات أرباح مرتفعة من تسهيلات وإعفاءات واسعة..
لا يساهم بحسب التقرير هذا الاختلال، فقط في توسيع الفوارق الاجتماعية، بل يقوّض الثقة في الدولة ويُفرغ مبدأ التضامن الضريبي من محتواه، حيث يشعر الأجير أنه المموّل الدائم للخزينة، بينما يظل كبار المستفيدين خارج دائرة المساهمة العادلة.
أجور تتآكل وغلاء يلتهم القدرة الشرائية
تشير المنظمة الديمقراطية للشغل،في قراءة للوضع الاجتماعي، إلى أن سنة 2025 كانت سنة قاسية على القدرة الشرائية، فمعدلات التضخم، وإن تراجعت نسبياً في الخطاب الرسمي، ظل أثرها حاداً على الحياة اليومية للأسر، خاصة مع جمود الأجور أو زياداتها الشكلية التي تبتلعها موجات الغلاء، ويؤكد التقرير أن الحوار الاجتماعي، الذي يفترض أن يكون رافعة لتصحيح هذا الخلل، تحوّل في كثير من محطاته إلى تمرين بروتوكولي لا ينتج قرارات جريئة تتناسب مع حجم الأزمة.
الحماية الاجتماعية بين الطموح والواقع
رغم الإشادة المبدئية بورش الحماية الاجتماعية، إلا أن التقرير لا يتردد في تفكيك تناقضاته.. فالمنظمة تعتبر أن التوسيع الكمي للاستفادة لا يوازيه تحسّن نوعي في الخدمات، وأن التمويل المعتمد يطرح علامات استفهام حول استدامة المنظومة وعدالتها، كما تحذّر من أن تحميل الأجراء والطبقات الهشة كلفة هذا الورش، عبر اقتطاعات إضافية أو ضرائب غير مباشرة، يُفرغ المشروع من روحه الاجتماعية، ويحوّله إلى عبء جديد بدل أن يكون شبكة أمان حقيقية.
سياسات عمومية تُدير الأزمة بدل حلّها
في خلاصة تحليلها، تذهب المنظمة إلى أن السياسات العمومية الحالية لا تعالج جذور الاختلالات، بل تكتفي بتدبير نتائجها، فالرهان على حلول ظرفية، ودعم غير موجّه، وإصلاحات مجزأة، يعكس غياب رؤية شمولية للعدالة الاجتماعية. وترى أن استشراف آفاق 2026 لا يمكن أن يكون مجرد امتداد لنهج أثبت محدوديته، بل يتطلب مراجعة عميقة للخيارات الاقتصادية والضريبية، وإعادة الاعتبار للعمل المنتج، وللدور الاجتماعي للدولة، بعيداً عن منطق التقشف المقنّع.
بهذا التقييم، لا تقدّم المنظمة الديمقراطية للشغل مجرد حصيلة سنوية، بل تصوغ لائحة اتهام سياسية واقتصادية لمنظومة اختارت الاستقرار المالي على حساب الاستقرار الاجتماعي، محذّرة من أن كلفة تجاهل العدالة الاجتماعية قد تكون أعلى بكثير من أي عجز مالي يتم التباهي بتقليصه في التقارير الرسمية.




