الرئسيةحول العالم

تشومسكي: “نظرية الرجل المجنون” تعود بوجه ترامب

في سياق الجدل المتصاعد حول ملامح السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب، قدمت المؤرخة الأمريكية أفيفا تشومسكي قراءة نقدية حادة تعتبر فيها أن ما يجري ليس انحرافا طارئا عن “النظام الدولي”، بل امتدادا لتقاليد راسخة في تاريخ الولايات المتحدة، مع اختلاف في الأسلوب ودرجة الصراحة.

“الرجل المجنون” كان اعتمدها الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون

جاء ذلك في مقابلة لتشومسكي مع “القدس العربي”  و تشومسكي، هي أستاذة التاريخ ومنسقة دراسات أمريكا اللاتينية بجامعة سالم ستيت، وابنة المفكر نعوم تشومسكي.

وربطت المتحدثة ذاتها، في مقابلة مع “القدس العربي” بين سياسات ترامب الحالية ونظرية “الرجل المجنون” التي اعتمدها الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي، معتبرة أن واشنطن انتقلت من توظيف حق النقض داخل الأمم المتحدة إلى محاولة إنشاء “مجلس سلام” يتيح لها هيمنة مباشرة ومعلنة على النظام العالمي.

و توقفت تشومسكي عند ما وصفته بالأزمة التي فجرتها إدارة ترامب من خلال تدخلها في فنزويلا، وبسبب توتر علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وكندا على خلفية قضايا مثل غرينلاند.

كما استحضرت في هذا السياق تحليلا للصحافي الأمريكي بيتر بيكر نشرته نيويورك تايمز، قال فيه إنه “لم يسبق للولايات المتحدة في القرن الماضي أن استولت على أراضي دول أخرى وأخضعت مواطنيها رغما عن إرادتهم”.

ما قد يبدو جديدا اليوم هو توجيه التهديدات الأمريكية بالضم أو العدوان نحو دول أوروبية أو “بيضاء”

وردت تشومسكي بلهجة ساخرة، معتبرة أن هذا القول إما قراءة حرفية مفرطة، أو جهل بالتاريخ، مذكرة بالاحتلالات الأمريكية طويلة الأمد لهايتي ونيكاراغوا، وبسلسلة التدخلات والانقلابات والقصف وفرض الحكومات والاغتيالات التي مارستها واشنطن بشكل شبه متواصل منذ الحرب العالمية الثانية، حتى وإن لم تكن دائما في شكل ضم رسمي للأراضي.

وأوضحت تشومسكي أن ما قد يبدو جديدا اليوم هو توجيه التهديدات الأمريكية بالضم أو العدوان نحو دول أوروبية أو “بيضاء” كانت تقليديا خارج دائرة هذا النوع من التدخل، مثل غرينلاند أو كندا، لكن “الاستيلاء على أراضي دول أخرى وإخضاع شعوبها رغماً عن إرادتهم” يظل، في نظرها، القاعدة لا الاستثناء في التاريخ الأمريكي.

وفي ما يخص فنزويلا، اعتبرت تشومسكي أن الهجوم الأمريكي الأخير يندرج ضمن هذا “الوضع الطبيعي” الذي دافعت فيه الولايات المتحدة باستمرار عن ما تعتبره “حقها” في اغتيال أو إسقاط قادة دول لا تنسجم سياساتهم مع مصالحها.

واستشهدت في ذات اللقاء مع صحيفة، “القدس العربي”  بأسماء من تاريخ أمريكا اللاتينية والعالم، من جاكوبو أربينز وسلفادور أليندي إلى فيدل كاسترو، وصولاً إلى أسامة بن لادن وقاسم سليماني.

أوباما رفع عمليات الاغتيال المستهدفة بطائرات دون طيار إلى مستويات غير مسبوقة

كما أشارت إلى أن الرئيس باراك أوباما رفع عمليات الاغتيال المستهدفة بطائرات دون طيار إلى مستويات غير مسبوقة، بما يفوق 500 غارة أودت بحياة نحو 4000 شخص، مضيفة أن إدارة بايدن أشادت بدورها بعمليات اغتيال استهدفت قادة سياسيين نفذتها إسرائيل، من بينهم حسن نصر الله وإسماعيل هنية.

وبخصوص من يعتبرون أن التدخل الأمريكي في فنزويلا يؤشر على دخول العالم مرحلة جديدة يسودها “قانون الغاب” والقرصنة، ردت تشومسكي بأن النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية كان دائما كذلك بالنسبة لدول الجنوب، وأن الولايات المتحدة لم تُبد يوما احتراما حقيقيا للقانون أو الأعراف الدولية.

وفي ظل التوتر المتزايد بين واشنطن من جهة، وكل من كندا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، رأت تشومسكي أننا قد نكون أمام تحول نوعي، حيث تهدد الولايات المتحدة باستخدام نفس السياسات والتكتيكات التي طالما طبقتها في أمريكا اللاتينية والعالم الثالث، ولكن هذه المرة ضد حلفاء كانوا شركاء في تقاسم الهيمنة العالمية.

وعلقت تشومسكي أيضا على تحذير رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان من أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قد يشجع الصين وروسيا على تغيير أنظمة دول مجاورة لهما.

سياسات ترامب وتصريحاته قد تُفسر من قبل الصين وروسيا كإشارة إلى تراجع التزام واشنطن بحلفائها

ورأت أن هذا الاحتمال وارد، مع التأكيد على أن موسكو وبكين تدرسان عادة عوامل متعددة قبل الإقدام على الغزو أو الحرب، كما فعلت روسيا قبل غزو أوكرانيا، لكنها أضافت أن سياسات ترامب وتصريحاته قد تُفسر من قبل الصين وروسيا كإشارة إلى تراجع التزام واشنطن بحلفائها، أو على العكس، كدليل على استعدادها للتصعيد غير المتوقع، وهو ما يعيد إلى الواجهة منطق “نظرية الرجل المجنون” التي لم تكن نتائجها إيجابية حتى لنيكسون نفسه.

وحول “مجلس السلام” الذي أعلن عنه ترامب، والذي يرى فيه البعض محاولة لتهميش دور الأمم المتحدة، شددت تشومسكي على أن عجز المنظمة الدولية يعود أساسا إلى سيطرة الولايات المتحدة على مجلس الأمن عبر حق النقض، مستشهدة بتعطيل قرارات تطالب بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة، واعتبرت أن إدارة ترامب لم تعد راغبة حتى في هذا الإطار، وتسعى بدلا من ذلك إلى إنشاء مؤسسات بديلة تخضع لهيمنة أمريكية كاملة وصريحة.

ساحات القتال الحقيقية اليوم هي غزة والضفة الغربية

وفي ما يتعلق بإسرائيل، شككت تشومسكي في الحديث عن “تأمين حدودها”، متسائلة عن أي حدود يُقصد: حدود 1947 أم 1948 أم 1967؟ وأكدت أن ساحات القتال الحقيقية اليوم هي غزة والضفة الغربية، حيث يبدو، بحسب تعبيرها، أن إسرائيل ماضية في قتل أو تهجير أو سجن السكان، إلى جانب إصرارها على احتلال الجولان وأجزاء من سوريا.

وخلصت إلى أن من الصعب تصور أن هذا العدوان المستمر سيجعل المنطقة أكثر أمنا، بل العكس تماما.

بهذا الطرح، تعيد أفيفا تشومسكي وضع سياسات ترامب في سياق تاريخي أوسع، ترى فيه أن “الاستثناء” الأمريكي لم يكن يوما استثناء أخلاقيا أو قانونيا، بل ممارسة ثابتة بأشكال وأساليب تتغير مع الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى