
تقرير تحليلي: هل يخطط ترامب لتحويل ملفات غزة وأوكرانيا إلى “صفقات شخصية”؟
أثار الإعلان الرسمي عن “مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، موجة واسعة من الجدل والقلق داخل الأوساط الدبلوماسية والسياسية الدولية.
تهميش المنظومة الدولية التقليدية، وعلى رأسها الأمم المتحدة
فالمجلس، الذي قُدم باعتباره آلية للإشراف على إعادة إعمار غزة ومراقبة وقف إطلاق النار، سرعان ما اتضح أنه يتجاوز هذا الإطار المحدود، ليحمل ملامح مشروع سياسي أوسع يهدف إلى إعادة رسم موازين النفوذ العالمي، وتهميش المنظومة الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
جاء في تقرير نشرته صحيفة “أوبزيرفر” البريطانية، والذي أعدته إيزابيل كولز وهيو توميلسون، كشفا لخيوط هذا المشروع، وطريقة بنائه، ودوافعه السياسية، كما سلط الضوء على التوجس الأوروبي، والانخراط البراغماتي لبعض الدول، خاصة العربية، في سياق دولي يتسم بتآكل القواعد والمؤسسات متعددة الأطراف.
دعوة مبهمة وبداية مرتبكة
بحسب تقرير الصحيفة البريطانية، فإن دعوة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للانضمام إلى “مجلس السلام” جرت نهاية العام الماضي عبر جاريد كوشنر، صهر ترامب، خلال اتصال هاتفي طرح فيه فكرة عضوية مجلس سيشرف على إعادة إعمار قطاع غزة. غير أن ستارمر، إلى جانب عدد من الدول الأخرى، لم يتلق أي تفاصيل واضحة حول طبيعة المجلس أو صلاحياته إلا قبل أيام قليلة من حفل التوقيع الرسمي في سويسرا.
إن الدبلوماسين كانوا على علم بأن ولاية المجلس قد تتجاوز غزة، لكن حجم الصلاحيات الممنوحة له شكل مفاجأة حقيقية. أحد الدبلوماسيين وصف المجلس بأنه “بديل محتمل للأمم المتحدة”، أو على الأقل نسخة ترامبية موازية لها، وهو توصيف يعكس عمق القلق داخل العواصم الغربية.
مجلس يتجاوز غزة… ويصطدم بأوروبا
إن التردد الأوروبي في الانضمام إلى المجلس لم يكن تقنيا فقط، بل سياسيا بالأساس، فتهديدات ترامب المتكررة بضم غرينلاند، إلى جانب رؤيته الأحادية للعلاقات الدولية، جعلت قادة أوروبيين، من بينهم ستارمر، يحجمون عن الانخراط في كيان قد يُستخدم لتكريس نفوذ أمريكي شخصاني على حساب التوازنات الدولية.
في المقابل، كان المشهد في دافوس لافتا، حيث وقع على ميثاق المجلس عدد من قادة الأنظمة غير الليبرالية أو المدعومة عسكريا من واشنطن، من بيلاروسيا وتركيا وأذربيجان إلى الأرجنتين وباكستان وباراغواي.
وكان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الزعيم الأوروبي الوحيد الذي لبى الدعوة، في انسجام مع تقاربه الأيديولوجي والسياسي مع ترامب.
أداة لتقويض النظام الدولي
يرى محللون أن خطورة “مجلس السلام” لا تكمن فقط في رمزيته، بل في كونه أداة عملية للالتفاف على المؤسسات الدولية القائمة، فالولايات المتحدة انسحبت خلال الفترة الأخيرة من عشرات المنظمات الدولية، وقلصت بشكل كبير تمويل الأمم المتحدة، في مسار يعكس توجها واضحا لتفكيك النظام متعدد الأطراف.
ورغم تأكيد ترامب أن المجلس سيعمل “بالتوازي” مع الأمم المتحدة، فإن تصريحاته السابقة عن إمكانية أن يحل محلها، إضافة إلى تصميمه المؤسسي، تغذي المخاوف من كونه “حصان طروادة” داخل النظام الدولي. ويُذكر أن مجلس الأمن صادق بالفعل على إنشاء المجلس للإشراف على وقف إطلاق النار في غزة، رغم التحفظات الواسعة.
في مطلع هذا الشهر، أعلن ترامب عن مجلس تنفيذي مؤسس يضم شخصيات بارزة، من بينها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إلى جانب جاريد كوشنر ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، و أثار انضمام بلير انتقادات حادة، إلا أن مكتبه دافع عن الخطوة باعتبارها فرصة للمساهمة في جهود السلام بغزة ونزاعات أخرى.
وتجلى نفوذ المجلس بالفعل في ملفات دولية حساسة، أبرزها أوكرانيا، حيث أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن المجلس سيشارك في مراقبة وقف إطلاق النار ضمن خطة سلام من 20 بندا، لكنه رفض الانضمام إليه بسبب وجود بيلاروسيا، حليفة موسكو.
حسابات عربية وبراغماتية سياسية
بالنسبة لعدد من الدول العربية، تمثل عضوية مجلس السلام بوابة مباشرة للوصول إلى ترامب، والمشاركة في النقاشات المتعلقة بمستقبل غزة، ويشمل هيكل المجلس لجنة تنفيذية وهيئة فلسطينية لإدارة الشؤون اليومية في القطاع، ما يمنح هذه الدول هامشا للتأثير، ولو في إطار مشروط.
ويرى مراقبون أن بعض الحكومات تتعامل مع المجلس كجزء من “تكلفة التعامل مع ترامب”، كما عبر عن ذلك المعلق الإماراتي عبد الخالق عبد الله، الذي اعتبر أن الحفاظ على رضا الرئيس الأمريكي خلال السنوات المقبلة يظل أولوية، رغم تقلباته.
داخل واشنطن نفسها، يسود اعتقاد بأن المجلس صُمم أساسا لتعزيز المكانة الشخصية لترامب عالميا، بعيدا عن قيود التحالفات والمؤسسات التقليدية.
فالميثاق يمنحه صلاحيات واسعة، تشمل اختيار الأعضاء، ووضع جدول الأعمال، ونقض القرارات، مع تحديد العضوية بثلاث سنوات قابلة للتحول إلى دائمة مقابل مليار دولار.
هذه الصيغة أثارت تساؤلات حول الشفافية، ومصير الأموال، واستمرارية المجلس بعد خروج ترامب من المشهد السياسي. ويذهب بعض الباحثين إلى التشكيك في قدرة ترامب، خارج السلطة التنفيذية، على الحفاظ على النفوذ اللازم لإنجاح هذا الكيان.
على سبيل الختم
يخلص التقرير إلى أن “مجلس السلام” يمثل تجليا جديدا لتحول عميق في النظام الدولي، حيث تتراجع المؤسسات متعددة الأطراف لصالح تكتلات فضفاضة تتمحور حول الزعامات القوية والشخصيات النافذة.
وفي هذا السياق، تجد أوروبا نفسها أمام تحدٍ استراتيجي حقيقي، في عالم يتغير ميزان القوة فيه بسرعة، وتتصاعد فيه منظمات “مصممة حسب الطلب”، على مقاس قادة بعينهم.
المصدر: صحيفة “أوبزيرفر” البرطانية “بتصرف”





