
صحافيون شرفيون يقرعون ناقوس الهشاشة
المؤتمر الوطني الأول لمنتدى الصحافيات والصحفيين الشرفيين يكشف أرقامًا صادمة ويجدد مطالب الإنصاف
احتضنت مدينة الدار البيضاء، يوم 28 يناير 2026، أشغال المؤتمر الوطني الأول لمنتدى الصحافيات والصحافيين الشرفيين بالمغرب، المنعقد تحت شعار «إنصاف، إشراك، دعم»، في محطة تنظيمية وحقوقية وُصفت بالمفصلية في مسار الدفاع عن أوضاع الصحافيين المتقاعدين، وإعادة الاعتبار لفئة راكمت التجربة والخبرة وخدمت المهنة لعقود.
وفي مستهل الأشغال، قدم رئيس المنتدى، عبد الله الشرقاوي، التقرير الأدبي باسم المكتب الوطني، مستعرضًا أبرز محطات التأسيس والأنشطة المنجزة، ومؤكدًا أن المنتدى يشكل أول تجربة تنظيمية من نوعها بالمغرب تُعنى حصريًا بالصحافيين المهنيين المحالين على التقاعد الإداري.
وسجل التقرير تطورًا لافتًا في عدد المنخرطين، حيث انتقل المنتدى من أقل من عشرة أعضاء إلى أكثر من 80 منخرطًا في أقل من سنتين، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على حجم الثقة التي بات يحظى بها الإطار الجديد داخل الجسم الصحافي.
هشاشة مالية وتحدي الاستدامة
في المقابل، كشف التقرير المالي عن هشاشة الموارد، إذ ما يزال المنتدى يعتمد أساسًا على واجبات الانخراط ومساهمات تطوعية من أعضاء المكتب الوطني، ما دفع المؤتمر إلى التنبيه لضرورة البحث عن موارد قارة، عبر الترافع من أجل الاستفادة من الدعم العمومي وبناء شراكات مؤسساتية تتيح خدمات اجتماعية وصحية لفائدة الأعضاء.
التواصل… الحلقة التي تحتاج إلى تعزيز
واعتبر المؤتمر أن التواصل يشكل أحد أعمدة العمل التنظيمي، داعيًا إلى استثمار خبرات الصحافيين الشرفيين في هذا المجال، وتسريع إخراج موقع إلكتروني خاص بالمنتدى بعد استكمال شروطه القانونية والمهنية والتقنية، ليكون منصة للتعريف بقضايا المتقاعدين والترافع بشأنها.
أرقام مقلقة عن أوضاع الصحافيين المتقاعدين
أكثر فقرات المؤتمر تأثيرًا كانت تلك المرتبطة بالوضعية الاجتماعية للصحافيين الشرفيين، حيث كشفت دراسة أولية، استنادًا إلى استمارات أنجزها المنتدى، عن معطيات صادمة:
أكثر من 50% فقط من الصحافيين المتقاعدين يتوفرون على سكن، فيما يعتمد أكثر من 40% على الكراء أو الإقامة مع الأهل. كما يعاني أزيد من 37% من أمراض مزمنة في ظل ارتفاع كلفة العلاج، بينما لا يتوفر أكثر من 75% على تأمين صحي تكميلي، رغم أن حوالي 90% فقط يستفيدون من التأمين الإجباري الأساسي.
أما على مستوى المعاشات، فأظهرت الأرقام أن 10% من الصحافيين المتقاعدين إما لا يتلقون أي معاش أو يتقاضون أقل من 2000 درهم شهريًا، فيما يحصل 47% على معاش يتراوح بين 2000 و6000 درهم، مقابل 35% فقط يتجاوز معاشهم 6000 درهم، من بينهم فئة محدودة جدًا تتعدى 10 آلاف درهم.
مراسلة رئيس الحكومة وتحذير من مستقبل قاتم
وذكّر المؤتمر بأن المنتدى سبق أن راسل رئيس الحكومة عزيز أخنوش بمذكرة مفصلة حول أوضاع الصحافيين الشرفيين، محذرًا من أن هذه الهشاشة لم تكن خيارًا فرديًا، بل نتيجة اختلالات بنيوية ومسؤوليات واضحة، مع التنبيه إلى أن أجيالًا جديدة من الصحافيين الممارسين مهددة بالمصير نفسه، خاصة في ظل التعاقد وعدم ربط التقاعد بالأجور.
حرية الصحافة لا تزدهر في ظل الفقر
على مستوى قضايا المهنة، جدد المؤتمر تأكيده على مواقف المنتدى الداعية إلى إصلاح منظومة الإعلام، وحماية الحقوق المهنية والاجتماعية للصحافيين، معتبرًا أن حرية الصحافة لا يمكن أن تستقيم في ظل “الثلاثي المرعب”: الفقر، الخوف، والرشوة، وأن الحديث عن أخلاقيات المهنة يظل أجوفًا دون ضمان العيش الكريم والحماية الاجتماعية.
مطالب لا يسقطها التقادم
وفي ختام أشغاله، شدد المؤتمر على أن مطالب الصحافيين القدامى لا يطالها التقادم، مجددًا رفضه لمنطق “التسول” باسم الحاجة، ومؤكدًا التمسك بمقاربة قائمة على الكرامة والإنصاف.
ومن بين المطالب المستعجلة التي رفعها المنتدى
صرف دعم تكميلي شهري قار ومحترم، وإحداث نظام صحي تكميلي استثنائي لفائدة الصحافيين الشرفيين، مع إشراك المنتدى في قضايا النشر والتأليف والجوائز المهنية، وتخصيص جائزة خاصة بأعمال الصحافيين الشرفيين ضمن الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة.
مؤتمر الدار البيضاء لم يكن مجرد محطة تنظيمية، بل صرخة جماعية من أجل الاعتراف، ورسالة واضحة مفادها أن من خدموا المهنة لعقود لا يستحقون التهميش في خريف العمر





