
بلخياط يترجل عن قطار الحياة+فيديوهات
وُلد زوقاري الادريس المعروف بعبد الهادي بلخياط في فاس سنة 1940، مدينة الروح والعلم، حيث كانت الأزقة العتيقة تحفظ صدى الأصوات قبل أن تحفظ الوجوه. هناك، تشكّل صوته الأول، خامًا ومشحونًا بالحلم، قبل أن يشدّ الرحال إلى الدار البيضاء، المدينة التي لا تنام، والتي ستمنحه مفاتيح العبور إلى الأثير.
كأنه قادم من قاع المقام لا من سطحه
في استوديوهات الإذاعة المغربية، لم يكن بلخياط مجرد صوت جديد، بل كان نبرة مختلفة في زمن كانت تتصدره أسماء راسخة مثل محمد فويتح والمعطي بلقاسم وإبراهيم العلمي، بينما كانت رياح التجديد تهب بصوت عبد الوهاب الدكالي ومحمد الحياني. وسط هذا المشهد، شق بلخياط طريقه بهدوء الواثقين، مسلحا بصوت منخفض الطبقة، عميق القرار، كأنه قادم من قاع المقام لا من سطحه.
كان جيله مفتونا بمصر، قبلة الطرب العربي، حيث أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ. ولم يكن بلخياط استثناء؛ ففي سنة 1965، حمل صوته وسافر إلى القاهرة، بحثا عن اعتراف أكبر، عن امتحان صعب.
هناك، صقل أدواته في المعهد العالي للموسيقى العربية، ولامس الجمهور المصري، لكن الرحلة بقيت قصيرة.
عاد بعد سنتين إلى المغرب، وكأنه عاد ليُتم قدره: أن يصبح صوت جيل كامل، لا مجرد تجربة عابرة في بلاد النيل.
ازدهر صوته كما تزدهر الشجرة حين تعود إلى تربتها الأولى
في المغرب، ازدهر صوته كما تزدهر الشجرة حين تعود إلى تربتها الأولى. تعاون مع شعراء كبار مثل أحمد الطيب العلج وعبد الرفيع الجواهري وعلي الحداني، ومع ملحنين صنعوا العصر الذهبي للأغنية المغربية: عبد السلام عامر، عبد الرحيم السقاط، وعبد القادر وهبي. من هذا التلاقي وُلدت أغنيات خالدة:
“القمر الأحمر”، “قطار الحياة”، “رموش”، “الهاتف”، “الميعاد”… أغانٍ لم تكن تُسمع فقط، بل كانت تُعاش.
تميّز بلخياط بصوت وصفه المايسترو نبيل أقبيب بأنه من أخفض الطبقات الرجالية، رخيم، عميق، قادر على الإشباع النغمي، وعلى الغوص في أغوار المقامات العربية والمغربية. كان صوته تشخيصًا موسيقيًا، وحضوره فوق الخشبة حضور من يعرف أن الصمت أحيانًا جزء من الغناء.
خاض ثلاث تجارب سينمائية
لم يقتصر حضوره على الأغنية؛ خاض ثلاث تجارب سينمائية، من المغرب إلى لبنان ومصر، وترك أثره في الشاشة كما تركه في الأذن. واشتهر أيضًا بإنشاده لقصيدة “المنفرجة”، التي تحولت بصوته إلى صلاة جماعية.
ثم، فجأة، اختار الصمت. اعتزل الفن، واتجه إلى جماعة الدعوة والتبليغ، متفرغا للإنشاد الديني والعمل الدعوي، قبل أن يعود في لحظة استثنائية، عبر مهرجان موازين، بلا أوركسترا، بلا بهرجة، فقط الدفّ والصوت… وكأن الرحلة اكتملت.
حصد عبد الهادي بلخياط أوسمة التكريم كما يحصد العارف ثمار صبره: وسام العرش من الملك محمد السادس سنة 2009، الأسطوانة الذهبية عن ألبوم “القمر الأحمر” الذي باع قرابة مليون نسخة، وجائزة الرباب الذهبي سنة 2002، إلى جانب عشرات التكريمات داخل المغرب وخارجه.
كان بلخياط أكثر من مطرب؛ كان ذاكرة صوتية، وملمحا أساسيا من ملامح العصر الذهبي للموسيقى المغربية، إلى جانب عبد الوهاب الدكالي والمعطي بلقاسم ومحمد الحياني.
صوته لم يكن فقط ما نسمعه… بل ما نتذكّره.
اليوم، في الدار البيضاء، تُوارى الأرض صوتا لم يكن عابرا. لا يودعه فقط من سيُشيعونه إلى مثواه الأخير في المدينة التي أحبّها وأحبّته، بل يودّعه المغرب كلّه، من أقصاه إلى أقصاه.
يودّعه جمهور نشأ على صوته، وكبر مع أغانيه، واستعاد بها لحظات الفرح والحزن معا. وبين دمعة صامتة وحنين موجع، يستحضر المغاربة «قطار الحياة»… ذلك القطار الذي غادره عبد الهادي بلخياط مساء أمس الجمعة، بهدوء يشبه صوته، تاركا وراءه محطات من الخلود، وأغاني لا تُدفن، وذاكرة لا تعرف الرحيل.
اقرأ أيضا…





