
في الفيضانات: الدولة حاضرة والحكومة غائبة
بقلم: بثينة المكودي
لا تحتاج الفيضانات في المغرب إلى نشرات إنذار فقط، بل إلى حكومة يمكن العثور عليها عند الطوارئ. ففي كل كارثة، يتكرر المشهد نفسه مياه تجتاح المدن، أسر تُجلى، ممتلكات تُترك خلفها، بينما تختفي الحكومة كأنها في عطلة وجدانية مفتوحة، بلا بلاغ، بلا خطاب، وبلا حتى اعتذار عن الغياب.
الداخلية في الواجهة… والحكومة في وضعية “المود أفيون” «غير متصل»
في القصر الكبير ومنطقة الغرب، تحركت وزارة الداخلية بكل ثقلها، جندت القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، والسلطات المحلية، الدولة الأمنية حضرت بكامل عتادها،طبعا كالعادة فهي الامر الناهي، أما الدولة السياسية فاختارت وضعية الطيران، أو ربما وضعية الصامت احتراما لهيبة الغياب.
وزير التجهيز… سدود بلا وزير
من المفترض أن يكون وزير التجهيز والماء أول من يظهر عند فيضان نهر، أو تهديد سد، أو انهيار قنطرة. لكن نزار بركة اختار الغياب التام، كأن الأنهار خارج اختصاصه، أو كأن الأحواض المائية شأن داخلي للغيوم. لا تصريح، لا نزول ميداني، ولا حتى جملة مطمئنة، فقط فراغ يملؤه غضب السكان وأسئلتهم.
وزراء القطاعات الاجتماعية… الكارثة لا تعنيهم
الصحة؟ التعليم؟ النقل؟ كلها قطاعات تتضرر مباشرة من الفيضانات، لكن وزراءها فضلوا الصمت المطبق. لا مستشفيات متنقلة، لا بلاغات حول المدارس المتضررة، لا توضيحات بشأن الطرق المقطوعة كأن الحكومة تشتغل بنظام “كل وزارة في جزيرتها”، والكارثة خارج جدول الأعمال.
رئيس الحكومة وصندوق الكوارث… حاضر على الورق فقط
الأكثر إثارة للسخرية أن رئيس الحكومة هو المسؤول عن صندوق الكوارث الطبيعية، الصندوق الذي يُفترض أن يعوض المتضررين الذين فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم، ومع ذلك، لم يكلف نفسه عناء الظهور أو شرح المساطر أو طمأنة الناس، الصندوق موجود، لكن رئيسه في إجازة غير معلنة.
وجدانية الزعامة أولاً… والمواطن لاحقًا
يبدو أن رئيس الحكومة منشغل أكثر بوجدانية مغادرته مقعد قيادة حزب “الحمام”، وبمشاعر الفراق السياسي، وبترتيب ما بعد الزعامة، أكثر من انشغاله بفيضانات تجرف مدنًا وساكنة. فبينما تغرق الأحياء، يغرق هو في تأملات ما بعد الحزب، تاركًا تدبير الكارثة للداخلية وحدها.
حكومة تظهر بعد الجفاف لا أثناء الفيضانات
المفارقة أن الحكومة تحسن الظهور في تدشين المشاريع، وفي المؤتمرات، وفي لحظات الإنجاز المعلّب، لكنها تختفي عند الأزمات الحقيقية. كأن دورها ينتهي عند القص الشريطي، ولا يبدأ عند إنقاذ المواطنين. فحين تفيض الأودية، يتأكد أن بعض المسؤولين لا يجيدون السباحة… لا في الماء ولا في المسؤولية.
الكارثة كاشفة لا مفاجئة
الفيضانات لم تفاجئ أحد، لكنها كشفت مرة أخرى حكومة لا تحب الظهور إلا في الصور الرسمية، ولا تجيد التواصل إلا بلغة الصمت. وفي بلد تتكرر فيه الكوارث الطبيعية، يصبح الغياب الحكومي ليس حادثًا عارضًا، بل سياسة غير معلنة دعوا الداخلية تشتغل، واتركوا السياسة خارج المشهد.





