
8 مارس: معركة المساواة لم تُحسم بعد
بقلم: أحمد دابا مدير النشر
يحل الثامن من مارس من كل عام مناسبة عالمية لاستحضار مسار طويل من نضالات النساء من أجل المساواة والكرامة والحقوق.
يرتبط هذا التاريخ تاريخيا ببدايات الحركات العمالية

وفي الثامن من مارس 2026، يتجدد هذا الموعد وسط دعوات دولية متصاعدة لردم الفجوات القانونية بين النساء والرجال، وتحويل الالتزامات المعلنة إلى إجراءات عملية تضمن حماية حقوق النساء والفتيات في مختلف المجالات.
يرتبط هذا التاريخ تاريخيا ببدايات الحركات العمالية في مطلع القرن العشرين، حين خرجت النساء إلى الشوارع للمطالبة بأجور عادلة، وبيئات عمل أكثر أمانا، والحق في المشاركة السياسية والتصويت.
كانت تلك المطالب في سياقها آنذاك جريئة وثورية، لكنها عبرت في العمق عن حاجة ملحة لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة.
وقد أخذ هذا النضال طابعا دوليا سنة 1910 عندما اقترحت الناشطة الاشتراكية الألمانية كلارا زيتكين تخصيص يوم عالمي للمرأة خلال مؤتمر دولي للحركات النسائية العمالية.
1917، خرجت نساء روسيا في تظاهرات حاشدة يوم الثامن من مارس
وبعد سنوات قليلة، وتحديدا عام 1917، خرجت نساء روسيا في تظاهرات حاشدة يوم الثامن من مارس للمطالبة بـ”الخبز والسلام”، في لحظة تاريخية تحولت إلى محطة مفصلية في مسار الحركة النسوية العالمية، ومنذ ذلك الحين أصبح هذا التاريخ رمزا للنضال النسائي والتغيير الاجتماعي.
اليوم، وبعد أكثر من قرن على تلك البدايات، لا يزال يوم المرأة العالمي مناسبة لتقييم التقدم المحرز في مسار المساواة، وكذلك لرصد التحديات التي لا تزال قائمة.
وقد اختارت الأمم المتحدة لشعار عام 2026 عبارة: “الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات”، في رسالة واضحة تؤكد أن تحقيق المساواة لا يتوقف عند الاعتراف النظري بالحقوق، بل يتطلب سياسات وتشريعات وإجراءات عملية تضمن ترجمة هذه الحقوق إلى واقع ملموس.
وتشير تقارير دولية صادرة بالتزامن مع هذه المناسبة إلى أن النساء حول العالم لا يتمتعن سوى بنحو 64 في المئة من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال.
وتيرة التقدم الحالية قد تستغرق ما يقارب 286 عاما لسد الفجوات

كما تحذر هذه التقارير من أن وتيرة التقدم الحالية قد تستغرق ما يقارب 286 عاما لسد الفجوات القانونية القائمة، وهو ما يجعل الدعوة إلى تسريع الإصلاحات التشريعية والسياساتية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، خصوصا في ما يتعلق بالعمل والملكية والعدالة والحماية من العنف.
على الصعيد العربي، تتجه النقاشات هذا العام إلى قضايا المشاركة السياسية والتمكين الاقتصادي والتكنولوجي للنساء، مع تسليط الضوء على حضورهن المتزايد في مجالات متقدمة مثل الفضاء والذكاء الاصطناعي والطب.
وتعكس هذه النقاشات إدراكا متناميا بأن تمكين النساء لا يشكل فقط مسألة حقوقية، بل شرطا أساسيا لبناء مجتمعات ديمقراطية واقتصادات مستدامة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
كل استثمار حقيقي في تمكين النساء ينعكس إيجابا على المجتمع ككل
وفي السياق ذاته، يبرز شعار متداول في حملات يوم المرأة العالمي لعام 2026 وهو “العطاء من أجل الكسب” (Give to Gain)، وهو شعار يقوم على فكرة التبادلية؛ فكل استثمار حقيقي في تمكين النساء ينعكس إيجابا على المجتمع ككل. فحين تتاح للنساء فرص التعليم والعمل والمشاركة، فإن ذلك يسهم في بناء اقتصادات أقوى، ومجتمعات أكثر تماسكا، ومستقبلا أكثر عدلا.
وفي خضم هذه التحولات العالمية، تكشف الحروب والنزاعات المسلحة عن الوجه الأكثر قسوة لعدم المساواة، حيث تتحمل النساء كلفة مضاعفة للعنف والدمار.
وفي قطاع غزة، حيث تستمر الحرب وما خلفته من مأساة إنسانية واسعة، تعيش النساء الفلسطينيات واقعا بالغ القسوة، في سياق وصفته هيئات أممية بأنه يرقى إلى مستوى “حرب على النساء” لما يخلفه من آثار مدمرة على حياتهن وأمنهن وحقوقهن الأساسية.
تقديرات أممية إلى أن نحو 9000 امرأة قُتلن خلال الأشهر الأولى من الإبادة في غزة

وتشير تقديرات أممية إلى أن نحو 9000 امرأة قُتلن خلال الأشهر الأولى من الحرب جراء الهجمات الإسرائيلية، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من ذلك بكثير، في ظل بقاء عدد من الضحايا تحت الأنقاض وصعوبة توثيق جميع الحالات في ظل استمرار القصف والدمار.
وفي هذا الواقع المأساوي، تعيش النساء والفتيات في غزة تحت وطأة خوف يومي دائم، حيث يتحول كل يوم إلى اختبار للبقاء، وكل لحظة إلى احتمال لفقدان الأحبة أو فقدان الحياة نفسها.
هكذا تصبح تفاصيل الحياة اليومية – من البحث عن مأوى آمن إلى تأمين الغذاء والماء – معركة بحد ذاتها، في واحدة من أكثر صور المعاناة الإنسانية قسوة التي تكشفها الحروب المعاصرة.
لا تزال قضايا المرأة المغربية تواجه تحديات بنيوية متعددة
أما في المغرب، فرغم ما تحقق خلال السنوات الماضية من إصلاحات قانونية ومؤسساتية، لا تزال قضايا المرأة تواجه تحديات بنيوية متعددة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن نسبة النساء اللواتي تعرضن لشكل من أشكال العنف تبلغ نحو 57.1 في المئة، مع تصدر العنف النفسي بنسبة تفوق 47 في المئة، يليه العنف الاقتصادي والاجتماعي بنحو 24.82 في المئة، ثم العنف الجسدي.
كما يظل التمكين الاقتصادي أحد أبرز التحديات المطروحة، إذ لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي نحو 19.8 في المئة وفق معطيات السنوات الأخيرة، في وقت تسجل فيه البطالة لدى النساء معدلات أعلى مقارنة بالرجال، إذ تبلغ نحو 16.8 في المئة مقابل 10.9 في المئة لدى الذكور. وتزداد حدة هذه الهشاشة في الوسط القروي حيث ترتفع نسب الفقر والأمية بين النساء.

وفي المجال السياسي، ورغم اعتماد آليات مثل نظام “الكوطا”، لا تزال تمثيلية النساء في مراكز القرار داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة محدودة، وغالبا ما يظل حضورهن مرتبطا بالآليات التمييزية الإيجابية أكثر من كونه نتيجة مسار طبيعي لتكافؤ الفرص داخل الحياة السياسية.
كما تطرح بعض القضايا القانونية المرتبطة بمدونة الأسرة وإعمال الحقوق المرتبطة بالطلاق والوصاية والإرث وإثبات الأبوة… تحديات عملية في التطبيق، رغم الإصلاحات التي عرفها الإطار التشريعي.
وتشير بعض المعطيات إلى تسجيل أكثر من 40 ألف حالة طلاق خلال سنة 2024، ما يعيد طرح أسئلة متجددة حول التوازن الأسري والحماية الاجتماعية والقانونية للنساء والأطفال.
لا تقف التحديات عند حدود النصوص القانونية
ولا تقف التحديات عند حدود النصوص القانونية، بل تمتد أيضا إلى العقليات والتمثلات الاجتماعية التي ما تزال، في بعض الحالات، تعيد إنتاج صور نمطية تحد من المشاركة الكاملة للنساء في مختلف المجالات، رغم ما يضمنه الدستور والقوانين من مبادئ المساواة والمناصفة.
في المقابل، تتواصل الجهود المدنية خاصة في المغرب من أجل تعزيز حقوق النساء عبر مقاربات تشاركية تشمل مراجعة بعض النصوص القانونية، وتعزيز الوعي القانوني، وإطلاق برامج للتأهيل الأسري وتوعية المقبلين على الزواج، إضافة إلى مبادرات المجتمع المدني الرامية إلى ترسيخ ثقافة المساواة والكرامة.
وهكذا يظل يوم المرأة العالمي، في جوهره، أكثر من مجرد مناسبة للاحتفاء الرمزي؛ إنه محطة سنوية لتجديد الالتزام الجماعي بمواصلة النضال من أجل عالم أكثر عدلا ومساواة، عالم تُصان فيه حقوق النساء لا بوصفها امتيازا، بل باعتبارها جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان.





