
بينما تواصل الحكومة تسويق خطاب “الاستقرار المالي” و“ثقة المستثمرين”، يعود المغرب مجدداً إلى الأسواق الدولية لاقتراض مليارات جديدة من الديون، في مشهد يكشف حجم الاختناق المالي الذي تعيشه الخزينة أكثر مما يعكس قوة اقتصادية حقيقية، فبدل بناء اقتصاد منتج وقادر على تمويل نفسه، تحولت الاستدانة الخارجية إلى مسكن دائم لعجز مزمن، حتى صار مستقبل البلاد مرهوناً بمزاج الأسواق المالية وتقلبات أسعار الفائدة، والأسوأ أن هذا الارتماء المتواصل في أحضان الدائنين يأتي في لحظة دولية شديدة الاضطراب، حيث ترتفع كلفة الاقتراض وتضيق الخيارات أمام الدول الهشة، ما يعني أن المغرب سيدفع ثمن أزماته مضاعفاً، مالياً وسيادياً.
اقتراض تحت ضغط الأزمات العالمية
تعتزم الخزينة المغربية إطلاق إصدار مرجعي جديد يتضمن شريحتين؛ الأولى تمتد لثماني سنوات والثانية لاثنتي عشرة سنة، وسط مؤشرات أولية تؤكد أن هوامش الفائدة ستكون أعلى من تلك التي حصل عليها المغرب خلال إصدار مارس 2025.. وهذا الارتفاع لا يعكس فقط تشدد الأسواق المالية، بل يكشف أيضاً تنامي الشكوك حول قدرة الاقتصاد المغربي على تحمل مزيد من المديونية في ظل تباطؤ النمو وتفاقم العجز، فيما لم تعد الأزمة مرتبطة بالحاجيات التمويلية الداخلية فقط، بل أصبحت رهينة تطورات جيوسياسية خطيرة، خاصة بعد تصاعد التوتر في الخليج والتهديدات التي تطال حركة الطاقة والتجارة عبر مضيق هرمز، وهو شريان تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.. فأي اضطراب في المنطقة يعني تلقائياً ارتفاع أسعار النفط والنقل والتأمين، وبالتالي تضخم فاتورة الواردات المغربية.
حكومة تدبر الأزمات بالقروض لا بالإصلاحات
المثير للقلق أن الحكومة اختارت مجدداً الحل الأسهل: الاستدانة، وبدل إطلاق إصلاحات إنتاجية حقيقية تقلص التبعية الطاقية وترفع تنافسية الاقتصاد، جرى فتح الباب واسعاً أمام التمويلات الخارجية بعد أن سمح قانون مالية 2026 باللجوء إلى اقتراضات ضخمة، بالتوازي مع اعتمادات إضافية لمواجهة تداعيات الحرب في إيران على الاقتصاد الوطني.. ما يعكس فشلاً واضحاً في بناء نموذج اقتصادي قادر على الصمود أمام الصدمات الدولية.. فالمغرب، رغم المشاريع الكبرى والشعارات المتكررة حول “السيادة الاقتصادية”، ما يزال اقتصاداً هشاً يعتمد بشكل كبير على الاستيراد الخارجي للطاقة والحبوب والمواد الأساسية، والأخطر أن جزءاً مهماً من القروض الجديدة لا يذهب للاستثمار المنتج، بل لتغطية العجز وتمويل النفقات المتزايدة.
ديون تتضخم وثقة دولية حذرة
صحيح أن المغرب نجح خلال مارس 2025 في تعبئة ملياري يورو من الأسواق الدولية، كما استعاد تصنيف “الاستثمار” لدى وكالة Standard & Poor’s، غير أن هذا لا يخفي الحذر الذي تبديه مؤسسات التنقيط الدولية تجاه الوضعية المالية للمملكة.. فمستوى الدين العمومي تجاوز وفق معطيات رسمية 70% من الناتج الداخلي الخام، بينما تلتهم خدمة الدين سنوياً مليارات الدراهم من الميزانية، في وقت تعاني فيه قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل من اختلالات عميقة، كما أن النمو الاقتصادي ما يزال رهيناً بالتساقطات المطرية والتحويلات الخارجية والسياحة، وهي مصادر غير مستقرة بطبيعتها.
المواطن يؤدي فاتورة الخيارات المكلفة
في النهاية، لا تتحمل الأسواق المالية كلفة هذه القروض، بل المواطن المغربي.. فكل ارتفاع في فوائد الاقتراض يعني ضرائب أكبر، وتقليصاً للإنفاق الاجتماعي، وارتفاعاً في الأسعار، وبينما تتحدث الحكومة عن الحفاظ على ثقة المستثمرين الأجانب، يبدو أن الثقة الداخلية تتآكل تدريجياً لدى فئات واسعة من المغاربة الذين يرون أن الدولة أصبحت تدبر أزماتها بالاستدانة بدل بناء اقتصاد منتج وعادل وقادر على حماية السيادة المالية للمملكة.. حيث يبدو المغرب اليوم كمن يدخل حلقة مفرغة: اقتراض جديد لسداد التزامات قديمة، ثم اقتراض آخر لمواجهة كلفة الاقتراض السابق.





