
يأتي الاتفاق الجديد بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب و«إنوي» ليؤشر على انتقال المغرب من منطق توسيع الشبكات التقليدية إلى منطق بناء سيادة رقمية أكثر نجاعة وصلابة، فالمشروع لا يقتصر على تقوية الربط بالألياف البصرية، بل يندرج ضمن تصور أوسع تنخرط فيه الدولة لتسريع التحول الرقمي وتعزيز موقع المملكة داخل مسار «Maroc Digital 2030»، وهي الاستراتيجية الرسمية التي تروم تسريع التحول الرقمي وتطوير الابتكار.
ألياف بصرية عالية القدرة… من خدمة الاتصالات إلى خدمة التنمية
ويكمن الرهان الحقيقي في هذه الشراكة في نشر شبكة وطنية للألياف البصرية عالية القدرة، وتوحيد الجهود بين مؤسستين محوريتين في البنية التحتية والخدمات، فالاتفاق يفتح الباب أمام مشاريع مشتركة لتحديث وتوسيع البنيات التحتية للاتصالات، مع التركيز على الرقمنة، وتدبير المعطيات التشغيلية، والأمن السيبراني، واستمرارية الخدمات عبر حلول الازدواجية والاحتياط، هذا التحول يكتسي بعدا اقتصاديا واضحا، لأن كلفة ضعف الشبكات لا تُقاس فقط ببطء الصبيب، بل أيضا بتأخير الاستثمار، وارتفاع كلفة الخدمات، وتفاوت فرص المقاولات بين المركز والهامش.. فبحسب تقارير الاتحاد الدولي للاتصالات، فإن كل ارتفاع بنسبة 10% في انتشار الإنترنت عالي السرعة يساهم في رفع الناتج الداخلي الخام للدول النامية بما يقارب 1.5%، وهو ما يفسر تسارع الاستثمارات المغربية في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.
أرقام تعكس الحاجة الملحة إلى بنية رقمية أقوى
و تؤكد الأرقام الرسمية أن الطلب على الاتصال السريع لم يعد هامشيا، فبحسب معطيات ANRT، بلغ عدد اشتراكات الإنترنت في المغرب 41.46 مليون اشتراك مع نهاية 2025، بنسبة نفاذ وصلت إلى 112.59%، بينما تجاوزت اشتراكات الإنترنت عبر الألياف البصرية 1.4 مليون، مسجلة نموا سنويا بنسبة 32.87%، مع استفادة نحو 61% من هذه الاشتراكات من صبيب يفوق 50 ميغابِت/الثانية، كما بلغ عدد اشتراكات الإنترنت المتنقل 38.52 مليون اشتراك، ما يعكس أن الرقمنة أصبحت سلوكا يوميا لا مجرد خدمة إضافية.
أثر اجتماعي يتجاوز المدن الكبرى
وفي بلد يبلغ عدد سكانه 36.83 مليون نسمة، ويضم 9.27 مليون أسرة، مع نسبة تمدن تناهز 62.8%، تصبح البنية الرقمية جزءا من معادلة العدالة المجالية، فالمطلوب ليس فقط رفع السرعة داخل المدن الكبرى، بل تقليص الفجوة بين المركز والجهات الأقل استفادة من الاستثمار التكنولوجي.. لذلك، فإن هذه الشراكة يمكن قراءتها كآلية لربط المواطن بالخدمة العمومية، وربط المقاولة الصغيرة بالسوق الرقمي، وربط المدرسة والمستشفى والإدارة بمنظومة اتصال أكثر استقرارا ومرونة، و في هذا السياق، تسعى الاتفاقية إلى توحيد الجهود بين قطاع الاتصالات وقطاع الطاقة والماء، عبر استغلال الشبكات والمنشآت القائمة لتقليص كلفة التوسعة وتسريع وتيرة الإنجاز.
رقمنة الخدمات وتعزيز الأمن السيبراني
لم يعد التحول الرقمي مجرد خيار تقني، بل أصبح قضية سيادية مرتبطة بحماية المعطيات وضمان استمرارية الخدمات الحيوية.. ولهذا تتضمن الاتفاقية مشاريع لتطوير شبكات ذكية قادرة على تدبير البيانات التشغيلية بشكل أكثر فعالية، مع تعزيز أنظمة الحماية والأمن السيبراني في ظل تزايد التهديدات الإلكترونية عالميا.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تشير فيه أرقام وزارة الانتقال الرقمي إلى أن الاقتصاد الرقمي بات يساهم بحوالي 15% من الناتج الداخلي الخام المغربي بشكل مباشر وغير مباشر.
المغرب يطمح للتحول إلى منصة رقمية إقليمية
و يعكس التحالف بين “إنوي” وONEE توجها سياسيا واضحا يرمي إلى تموقع المغرب كمركز إقليمي للبنيات التحتية الرقمية في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، خاصة مع التوسع المتزايد للاستثمارات الأجنبية في قطاعات التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي.
وبين رهانات التنمية المجالية وتحديات الأمن الرقمي ومتطلبات الاقتصاد الحديث، تبرز هذه الشراكة كخطوة استراتيجية تحمل أبعادا تتجاوز قطاع الاتصالات نحو إعادة تشكيل النموذج التنموي الرقمي للمغرب خلال السنوات المقبلة.




