اقتصادالرئسية

استثمار أم وصاية؟..بطالة بلا حلول مقنعة

في مشهد اقتصادي يتأرجح بين الطموح والانتظارية، تعود مبادرة “الاستثمار من أجل التوظيف” إلى الواجهة بوصفها إحدى الأدوات التي تُروَّج كحل سحري لمعظلة البطالة في المغرب.. ، المبادرة، التي تشرف عليها الوكالة الألمانية للتعاون الدولي وبنك التنمية الألماني، تفتح باب تقديم المشاريع ابتداءً من منتصف أبريل، حاملةً معها وعوداً بإعادة تنشيط الاستثمار الخاص، لكن أيضاً أسئلة عميقة حول طبيعة هذا الدعم وحدوده.

تمويل مشروط… أم سيادة اقتصادية مُقنّعة؟

تقوم هذه التسهيلات على منح مالية تغطي ما بين ربع إلى تسعين في المائة من تكلفة المشاريع، التي تتراوح قيمتها بين 800 ألف و10 ملايين يورو، و في سياق يعاني فيه الاستثمار المحلي من شح التمويل وارتفاع كلفة الاقتراض يبدو هذا عرضا سخيا، غير أن هذا السخاء ليس مجانياً تماماً، إذ يُشترط أن ترتبط المشاريع مباشرة بإحداث فرص شغل مستدامة، سواء عبر إنشاء وحدات إنتاجية أو اقتناء تجهيزات أو تطوير كفاءات محلية..

وخلف هذا الشرط المشروع، تبرز مفارقة لافتة: هل نحن أمام دعم فعلي لاقتصاد وطني مستقل، أم أمام توجيه غير مباشر لأولويات الاستثمار وفق أجندات خارجية؟ فحين يصبح خلق فرص العمل مرتبطاً بتمويل أجنبي، تظل طبيعة هذه الوظائف، واستدامتها، رهينة بمصالح الممولين قبل حاجيات السوق المحلية.

سوق الشغل بين الأرقام والواقع الاجتماعي

تشير بيانات رسمية إلى أن معدل البطالة في المغرب يظل عند مستويات مقلقة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، حيث يتجاوز في بعض الفئات 20%، وفي هذا السياق، تبدو أي مبادرة لخلق فرص الشغل ضرورية، بل ملحة. غير أن التجارب السابقة تُظهر أن الأرقام المعلنة حول الوظائف المحدثة لا تعكس دائماً جودة هذه الوظائف أو استقرارها.

و تركز المبادرة الحالية على مفهوم “الاستدامة”، وهو مصطلح فضفاض غالباً ما يُستخدم لتجميل مشاريع قصيرة الأمد، فكم من مشروع وُلد تحت شعار التنمية ثم اختفى مع انتهاء التمويل؟ وكم من فرصة عمل تحولت إلى عقد هش لا يوفر الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي؟

تكوين من أجل الهجرة… أم استثمار في الرأسمال البشري؟

اللافت في نسخة 2026 من هذه التسهيلات هو إدراج إمكانية تمويل برامج تكوينية تُعد الكفاءات المغربية لفرص عمل محتملة في ألمانيا، خطوة قد تُقرأ من زاويتين متناقضتين: من جهة، هي فرصة لتأهيل اليد العاملة وفتح آفاق دولية أمام الشباب، ومن جهة أخرى، قد تُفهم كآلية منظمة لتصدير الكفاءات في وقت يعاني فيه الاقتصاد الوطني من نزيف العقول.

في هذا التناقض تكمن المفارقة الأكبر: هل نحن أمام استثمار في الإنسان المغربي، أم أمام إعادة توجيهه نحو أسواق عمل خارجية تعاني من خصاص ديمغرافي؟ وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً: من المستفيد الحقيقي من هذه المعادلة؟

وفي النهاية، تبدو المبادرة كمرآة تعكس تعقيدات العلاقة بين التنمية المحلية والتدخلات الدولية، حيث تختلط النوايا الحسنة بحسابات المصالح، ويظل المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في معادلة تُكتب بلغة الأرقام وتُعاش بمرارة الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى