اقتصادالرئسية

مزور…مليون درهم لدراسة التجارة الإلكترونية

قطاع يحقق أرقاماً قياسية وسياسات لا تواكب السرعة

تحرير: جيهان مشكور

رغم التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده المغرب، اختارت وزارة الصناعة والتجارة، بقيادة الوزير رياض مزور، إطلاق دراسة جديدة لتقييم واقع وآفاق التجارة الإلكترونية، في صفقة تتجاوز قيمتها مليون درهم، وهو قرار يثير أكثر من علامة استفهام حول جدوى إنفاق المال العام على تشخيص جديد لقطاع يعرف المسؤولون تفاصيل تحدياته منذ سنوات.

فالرهان اليوم لم يعد يتمثل في معرفة مشاكل التجارة الإلكترونية، بل في تفسير سبب استمرارها رغم كثرة الاستراتيجيات والبرامج الحكومية.. ويزداد هذا النقاش حدة لأن المبادرة تأتي في الأشهر الأخيرة من الولاية الحكومية، ما يدفع إلى التساؤل: هل يتعلق الأمر بإعداد خارطة طريق للمستقبل، أم بمحاولة تسجيل إنجاز إداري جديد قبل انتهاء الولاية؟.

اقتصاد رقمي يتوسع… ومقاولات تتراجع

تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) إلى أن قيمة مبيعات التجارة الإلكترونية عالمياً تجاوزت 6 تريليونات دولار، فيما يؤكد تقرير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات (ANRT) أن نسبة انتشار الإنترنت بالمغرب تجاوزت 90%، مع تسجيل ملايين المشتركين في خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول، وهو ما وفر بيئة مواتية لازدهار التجارة الرقمية.

كما سجلت أنشطة الأداء الإلكتروني بالمغرب خلال سنة 2025 عشرات الملايين من عمليات الأداء عبر البطاقات البنكية، بقيمة تجاوزت 20 مليار درهم، وفق معطيات مركز النقديات، وهو ما يعكس تسارع اعتماد المغاربة على المعاملات الرقمية، في مؤشر على تغير سلوك المستهلك المغربي.. غير أن هذا النمو لم ينعكس بالقدر نفسه على المقاولات الصغرى والمتوسطة، إذ ما تزال المنصات الكبرى تستحوذ على حصة متزايدة من السوق بفضل إمكانياتها المالية واللوجستية، بينما تعاني المقاولات المحلية من ارتفاع تكاليف الإشهار الرقمي والتوصيل، وصعوبة الولوج إلى التمويل.

تحديات أعمق من مجرد منافسة تجارية

ولا تتوقف الإشكالات عند حدود المنافسة، بل تمتد إلى غياب منظومة متكاملة لدعم الاقتصاد الرقمي، فعدد من رواد الأعمال يعتبرون أن الإطار التنظيمي لا يزال يحتاج إلى مزيد من التطوير، سواء فيما يتعلق بحماية المستهلك، أو تسريع الأداءات الإلكترونية، أو تبسيط المساطر الجبائية والإدارية الخاصة بالمقاولات الرقمية.

ويكتسي هذا التحدي بعداً اجتماعياً أيضاً، إذ تمثل المقاولات الصغرى والمتوسطة، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، غالبية النسيج الاقتصادي الوطني، وتؤمن نسبة مهمة من فرص الشغل.. وبالتالي، فإن إضعاف قدرتها على المنافسة لا ينعكس على أرباح الشركات فقط، بل يحد من فرص التشغيل الذاتي للشباب والنساء، ويدفع العديد من المشاريع الرقمية الناشئة إلى التوقف قبل بلوغ مرحلة الاستقرار كما يحرم خزينة الدولة من موارد ضريبية مهمة .

بين كثرة الدراسات وندرة الإصلاحات

سياسياً، تضع هذه المبادرة الحكومة أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على الانتقال من مرحلة تشخيص الاختلالات إلى مرحلة اتخاذ القرارات.. فالكثير من التحديات التي تواجه التجارة الإلكترونية أصبحت معروفة منذ سنوات، بينما يطالب الفاعلون بإجراءات ملموسة تشمل تحفيز الاستثمار الرقمي، وتخفيض كلفة الخدمات اللوجستية، ودعم المقاولات الناشئة، وتطوير حلول الأداء الإلكتروني، وتعزيز حماية المستهلك والثقة في المعاملات الرقمية.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: إذا كانت الحكومة تدرك مكامن الخلل، فلماذا تنفق أكثر من مليون درهم لإعادة تشخيصها؟ وإذا انتهت هذه الدراسة إلى التوصيات نفسها التي وردت في تقارير سابقة، فمن سيتحمل مسؤولية هدر الوقت والمال العام، بينما يواصل آلاف الشباب مغادرة سوق التجارة الإلكترونية بعدما اصطدموا بواقع لا تصنعه المنافسة وحدها، بل تصنعه أيضاً سياسات تتأخر دائماً عن سرعة الاقتصاد الرقمي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى