
في أروقة المحكمة التجارية بأكادير، لا يُنظر إلى ملف “أكافونت” باعتباره مجرد نزاع تجاري عابر، بل كمرآة تعكس توتراً خفياً بين منطق القانون الصارم وتعقيدات الواقع الاقتصادي.. حيث تضع القضية “مساطر صعوبات المقاولة” أمام اختبار دقيق، ليصبح السؤال الجوهري: إلى أي حد يمكن المساس بمبدأ الاستقلالية القانونية للشركات دون الإخلال بثقة الفاعلين الاقتصاديين؟ فبين رغبة القضاء في حماية حقوق الدائنين، وحرص المستثمرين على وضوح القواعد، تتشكل منطقة رمادية تُغذي الجدل.
معطيات قانونية تصطدم بالتأويل القضائي
تمنح المعطيات الرسمية شركة “أكافونت” صورة واضحة لشركة قائمة الذات، برأسمال يصل إلى 7 ملايين درهم وتسيير مشترك يعكس تعددية القرار، وهو ما يكرّس مبدأ الشخصية المعنوية المستقلة، غير أن هذه الصورة، رغم وضوحها القانوني، تصطدم بشكوك تتجاوز الوثائق نحو البحث في حقيقة العلاقات الاقتصادية.. فالقضاء، في مثل هذه الحالات، لا يكتفي بالشكل، بل ينقب في الجوهر، محاولاً تحديد ما إذا كانت هذه الاستقلالية فعلية أم مجرد غطاء لنشاط موحد.
بين التكامل القطاعي وشبهة الامتداد الاقتصادي
و فيما يبدو اختلاف نشاط الشركتين دليلاً على الاستقلال، فإحداهما تنشط في الإنتاج الفلاحي والتصدير، بينما تتخصص الأخرى في التلفيف والتوضيب، وهو نموذج شائع داخل سلاسل القيمة الفلاحية بالمغرب.. إلا أن هذا التكامل الطبيعي قد يتحول، في نظر القضاء، إلى مؤشر على تداخل خفي، خاصة إذا غابت معايير دقيقة لتمييز العلاقة التجارية العادية عن الامتداد الاقتصادي و المفارقة أن ما يُعد في منطق السوق تكاملاً مشروعاً، قد يُقرأ قانونياً كقرينة على وحدة النشاط.
تفاصيل تقنية غائبة تعمق الغموض
وسط هذا التعقيد، يبرز غياب معطى تقني حاسم: أين كانت تتم عمليات التلفيف؟ هذا السؤال، رغم بساطته، يحمل وزناً كبيراً في تحديد طبيعة العلاقة بين الشركتين.. فالإجابة عنه كفيلة بإعادة رسم حدود الاستقلال أو إثبات التداخل، وتجاهل هذا العنصر في الخبرة القضائية لا يطرح فقط إشكالاً منهجياً، بل يعكس أيضاً فجوة بين التحليل القانوني والواقع المهني.
المال كقرينة ملتبسة
استُخدمت التحويلات المالية بين الشركتين كدليل على اختلاط الذمم، غير أن هذا الاستنتاج يظل محل نقاش.. ففي قطاع يعتمد على خدمات متعددة، تبدو هذه التحويلات جزءاً طبيعياً من الدورة الاقتصادية. تحويلها إلى قرينة قانونية دون تحليل معمق قد يؤدي إلى تبسيط مخل، حيث تختزل علاقات تجارية معقدة في أرقام مجردة من سياقها.
مفارقة الاستمرارية في ظل التصفية
الأكثر إثارة في هذا الملف هو الجمع بين نقيضين: تمديد التصفية القضائية من جهة، والسماح بمواصلة النشاط من جهة أخرى.. فقرار المحكمة بتمديد نشاط “أكافونت” لعشرة أشهر، رغم اعتبارها امتداداً لكيان مفلس، يطرح إشكالاً في التكييف القانوني، ويكشف عن مرونة قد تقترب من التناقض، كما أن إعادة إبرام عقد كراء لنفس الأصل التجاري بعد فسخه يضيف طبقة أخرى من التعقيد، حيث يبدو أن الواقع الاقتصادي يفرض منطقه حتى داخل مساطر يفترض أنها نهائية.
ما بين حماية الدائنين وهشاشة الثقة
في المحصلة، يتجاوز هذا الملف حدوده القضائية ليطرح سؤالاً أوسع حول مناخ الأعمال. فبين حماية الدائنين والحفاظ على استقرار القواعد القانونية، يقف القضاء أمام معادلة معقدة.. أي اختلال في هذا التوازن قد ينعكس مباشرة على ثقة المستثمرين، ويجعل من كل اجتهاد قضائي سيفاً ذا حدين في اقتصاد يبحث عن اليقين أكثر من أي وقت مضى.




