الرئسيةرأي/ كرونيك

وليد الرگراگي يحمي.. و محمد وهبي يبني

بين فلسفة الرگراگي وذكاء وهبي.. فرقٌ لا تراه العين في التسعين دقيقة

بقلم: جيهان مشكور

في كرة القدم، “كاين نوع ديال الانتصارات كتشوفها بعينيك، وكاين نوع آخر كيتبنى فصمت”، بعيد على الأضواء، وسط تفاصيل صغيرة “ما كيشوفهاش الجمهور”.. ولهذا ربما أخطأ الكثيرون وهم يتفرجون في مباراة المغرب وهايتي.. فبعضهم “شاف أداءًّ عادياً، وبعضهم اعتبر أن المنتخب ما ظهرش بالقوة المنتظرة، ولكن السؤال الحقيقي ماشي هو: كيف لعب المغرب أمام هايتي؟ السؤال هو: كيف كان يفكر محمد وهبي وهو كيلعب ضد هايتي؟ هنا بالضبط كيبان الفرق بين مدرب كيدبر مباراة، ومدرب كيدبر بطولة كاملة.

الرگراگي… ابن مدرسة المدافعين

وليد الرگراگي ماشي مجرد مدرب ناجح، وليد الرگراگي فالأصل مدافع، ومن أفضل المدافعين اللي خرجتهم الكرة المغربية فجيله، فاللاعب اللذي سبق له أن توج كأحسن مدافع في الدوري الفرنسي من الطبيعي جدا أن يحمل معه إلى عالم التدريب تلك العقلية التي تشكلت سنوات طويلة وسط الخط الخلفي.

المدافع لا يفكر مثل المهاجم.. فالمدافع كيشوف الخطر قبل ان يقع.. وكيقيس المسافات، وكيراقب التوازن، وكيعتبر أن الخطأ الواحد قادر يهدم مجهود مباراة كاملة، لهذا لم يكن غريباً أن يبني الرگراگي إنجاز مونديال قطر على الصلابة الدفاعية أكثر من الاستعراض الهجومي.

وهنا تتحدث الأرقام بوضوح.. ففي كأس العالم 2022 استقبل المنتخب المغربي هدفاً واحداً فقط خلال خمس مباريات كاملة، وأصبح أول منتخب إفريقي يبلغ نصف النهائي، وكان ذلك انتصاراً لفلسفة الانضباط قبل كل شيء.

لكن كرة القدم الحديثة قاسية مع المدربين الناجحين، فكلما نجحت فلسفة معينة، بدأ المنافسون في تفكيكها وتحليلها.. اليوم تشتغل المنتخبات الكبرى بعشرات المحللين وبرامج الذكاء الاصطناعي، وتصبح كل نقطة قوة معرضة لأن تتحول إلى نقطة مكشوفة مع مرور الوقت.

محمد وهبي… رجل لا يرى الملعب كما نراه

أما محمد وهبي، فقصته مختلفة تماماً… الرجل لم يأت من مستودعات الملابس ولا من ذكريات الملاعب الاحترافية، بل جاء من قاعات الدراسة ومن التكوين الأكاديمي.. اشتغل أستاذاً للتربية البدنية قبل أن يغوص في عالم التدريب العلمي، ولهذا فهو لا ينظر إلى كرة القدم بنفس الطريقة التي ينظر بها اللاعب السابق.

فحين يتابع وهبي مباراة، يبدو وكأنه لاعب شطرنج أكثر منه مدرب كرة قدم، هو لا يرى 90 دقيقة فقط، بل يرى ما بعدها. لا يرى الخصم الحالي فقط، بل يرى الخصوم المحتملين أيضاً، ولا يفكر في كيف يربح اليوم فقط، بل كيف يحتفظ بالقوة اللازمة للانتصار بعد أسبوع.. لهذا فإن اختياراته أمام هايتي لم تكن عشوائية كما تصور البعض، بل كانت أقرب إلى عملية حسابية دقيقة.

الاحتياطيون ليسوا بديلاً… بل مشروع انتصار قادم

في البطولات الكبرى، لا يفوز الفريق الذي يملك أفضل 11 لاعباً، بل الفريق الذي يملك أفضل 23 لاعباً.

هذا درس تعلمته المنتخبات الكبرى منذ سنوات.. فرنسا بطلة العالم 2018 اعتمدت على عمق دكة البدلاء، والأرجنتين في مونديال 2022 غيرت أسماء كثيرة بين مباراة وأخرى حفاظاً على الجاهزية البدنية.. و يبدو ان محمد وهبي يستوعب هذه الحقيقة جيداً.

إراحة العناصر الأساسية أمام خصم يمكن تجاوزه ليست علامة خوف، بل علامة ذكاء، وإشراك الاحتياطيين ومنحهم الثقة وتحميلهم المسؤولية يصنع مجموعة أكثر تماسكاً، واللاعب الذي يدخل ويسجل أو يصنع الفارق يخرج من الملعب أكثر ثقة، وأكثر استعداداً للقتال عندما يحتاجه الفريق في الأدوار الصعبة…. وفي المقابل، يحصل الأساسيون على ما هو أثمن من دقائق إضافية في الملعب: يحصلون على الطاقة، والطاقة في كأس العالم تساوي الذهب.

حين يصبح الضعف الظاهر جزءاً من الخطة

الأمر الأكثر إثارة في كل هذا هو أن صورة المنتخب أمام هايتي قد تكون خدمت المغرب أكثر مما أضرته، ففي عالم كرة القدم، أحياناً يكون أخطر شيء هو أن تكشف كل أوراقك مبكراً.

إذا خرج بعض المحللين الهولنديين بانطباع مفاده أن المغرب بدا أقل قوة مما كان متوقعاً، فربما يكون ذلك خبراً جيداً، لأن المباريات الكبرى لا تربح فقط بالركض والتمريرات، بل تربح أيضاً بالأوهام التي تزرعها في ذهن المنافس، و المدرب الذكي لا يبحث دائماً عن إقناع الجمهور، بل عن تضليل الخصم.. وهنا نتذكر تلك الحكاية القديمة التي تقول إن الثعلب عندما يريد استدراج فريسته لا يظهر قوته، بل يتعمد أن يبدو أضعف مما هو عليه.

كرة القدم الحديثة… معركة عقول قبل أن تكون معركة أقدام

ربما لهذا السبب يبدو النقاش الدائر اليوم حول محمد وهبي سابقاً لأوانه، فالحكم الحقيقي على المدربين لا يكون في دور المجموعات، ولا في المباريات السهلة، بل في اللحظات التي تصبح فيها التفاصيل الصغيرة فاصلة بين الحلم والإقصاء.

هناك مدربون يربحون المباريات لأنهم يملكون لاعبين جيدين، وهناك مدربون يربحون البطولات لأنهم يعرفون كيف يديرون البشر والوقت والطاقة والاحتمالات.

وإذا كان الرگراگي قد منح الكرة المغربية واحدة من أجمل لحظاتها التاريخية بعقلية المدافع الذي يحمي حلمه حتى النهاية، فإن محمد وهبي يبدو اليوم وكأنه يحاول كتابة فصل جديد بعقلية مختلفة؛ عقلية رجل لا يلعب المباراة فقط، بل يلعب البطولة كلها دفعة واحدة.

وفي كرة القدم، كما في الحياة، ليس دائماً من يركض أسرع هو من يصل أولاً… بل أحياناً من يعرف إلى أين يتجه منذ البداية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى