
لجنة تقصي الحقائق.. معركة سياسية لكشف مصير المليارات
أكد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أن مكونات المعارضة البرلمانية تمكنت من جمع التوقيعات اللازمة للمطالبة بإحداث لجنة لتقصي الحقائق حول ملف دعم استيراد المواشي، مشيراً إلى أن المبادرة لم تقتصر على أحزاب المعارضة فقط، بل لقيت اهتماماً حتى داخل صفوف الأغلبية الحكومية.
وأوضح بنعبد الله، خلال لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني، أن عدداً من البرلمانيين المنتمين إلى الأغلبية أبدوا رغبتهم في التوقيع على الطلب، قبل أن يتراجعوا بسبب ما وصفه بوجود ضغوط وتهديدات مورست عليهم، ويعكس هذا المعطى، وفق تقديره، حساسية الملف وما يثيره من تساؤلات سياسية واقتصادية تتجاوز مجرد تدبير ظرفي لسوق الماشية.
أين ذهبت أموال الدعم؟
ويرى الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية أن فتح تحقيق برلماني معمق كان سيتيح للرأي العام الاطلاع على الجهات المستفيدة من برامج الدعم المخصصة لاستيراد المواشي، خاصة في ظل الحديث عن استيراد أكثر من 300 ألف رأس من الأغنام والماشية بدعم مالي عمومي مهم.
ويطرح بنعبد الله سؤالاً محورياً يعتبره جوهر القضية: إذا كانت الدولة قد ضخت مبالغ كبيرة بهدف ضمان وفرة القطيع الوطني وخفض الأسعار، فلماذا لم ينعكس ذلك على الأسواق؟ ولماذا لم يشعر المستهلك المغربي بأي أثر ملموس لهذا الدعم؟
وتكتسي هذه التساؤلات أهمية خاصة في سياق تشير فيه معطيات رسمية إلى استمرار الضغوط على القطيع الوطني بسبب توالي سنوات الجفاف، حيث سجل المغرب خلال السنوات الأخيرة تراجعاً في أعداد الماشية نتيجة نقص الموارد المائية وارتفاع تكلفة الأعلاف.
أسعار ملتهبة وقدرة شرائية منهكة
واعتبر بنعبد الله أن النتائج الميدانية لسياسة الدعم تكشف اختلالاً واضحاً بين الأهداف المعلنة والواقع المعيش، موضحاً أن المواطنين وجدوا أنفسهم أمام أسعار قياسية للحوم الحمراء بلغت في بعض المناطق نحو 170 درهماً للكيلوغرام الواحد، في وقت أصبح فيه لحم الأغنام نادراً أو شبه غائب في عدد من الأسواق.
وتأتي هذه الوضعية في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع معدلات التضخم خلال السنوات الأخيرة وتآكل القدرة الشرائية للأسر، ما جعل ملف الأمن الغذائي وأسعار المواد الأساسية يحتل موقعاً متقدماً في النقاش العمومي والسياسي.
انتقادات لمخطط “المغرب الأخضر”
ولم يفصل بنعبد الله بين أزمة اللحوم والخيارات الفلاحية الكبرى التي تبناها المغرب خلال العقدين الماضيين، معتبراً أن ما يجري اليوم يمثل دليلاً إضافياً على محدودية نتائج بعض السياسات القطاعية، وعلى رأسها مخطط “المغرب الأخضر”، الذي كان يهدف إلى تحديث القطاع الفلاحي وتعزيز إنتاجيته.
وبحسب المسؤول الحزبي، فإن الأزمة الحالية تستوجب مساءلة حقيقية حول حصيلة هذه الاستراتيجيات ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار الفلاحي وضمان الأمن الغذائي وحماية المستهلك.
الديمقراطية كشرط لمواجهة التحديات الوطنية
وفي بعد يتجاوز الملف الاقتصادي، ربط بنعبد الله بين تدبير الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وبين الحاجة إلى إصلاح سياسي أعمق، وأكد أن المغرب يعيش مرحلة دقيقة في ظل تحولات دولية وإقليمية متسارعة، ما يفرض بناء جبهة داخلية متماسكة تقوم على مؤسسات قوية وأحزاب فاعلة قادرة على تأطير المجتمع والدفاع عن مصالحه.
وشدد على أن ترسيخ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان يشكلان، في نظره، المدخل الأساسي لإنجاح مختلف الأوراش الوطنية، بما فيها مشروع الحكم الذاتي، معتبراً أن الديمقراطية ليست مجرد خيار سياسي، بل شرطاً عملياً لضمان الاستقرار وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع في مواجهة التحديات المستقبلية.




