
في مشهد يعكس هشاشة بعض حلقات منظومة التصدير، وجدت شحنة من “الماندارين” المغربي تزن حوالي 18.7 طناً بميناء «سانت بطرسبرغ» نفسها مرفوضة على أبواب السوق الروسية، ليس بسبب وفرة العرض أو تقلب الأسعار، بل بفعل كائن مجهري صغير يحمل اسماً علمياً ثقيلاً: “الذبابة المحدبة” (Megaselia scalaris) اتخاذ قرار المنع من طرف السلطات الروسية لم يكن مجرد إجراء تقني معزول، بل رسالة صريحة بأن المعايير الصحية الدولية لا تعترف لا بالنيات الحسنة ولا بسمعة تاريخية، بل فقط بما تكشفه المجاهر في لحظة الحقيقة.
آفة صغيرة… بخسائر كبيرة
تصنيف هذه الحشرة ضمن الآفات الحجرية الخطيرة يعني عملياً أن أي شحنة تحمل أثراً لها تُعد تهديداً مباشراً للمنظومة الزراعية المحلية في بلد الاستيراد، فوفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، تتسبب الآفات الزراعية سنوياً في خسائر تتجاوز 40% من الإنتاج العالمي، وهو ما يبرر صرامة الإجراءات الروسية، غير أن هذا التبرير العلمي لا يلغي حقيقة أكثر إزعاجاً: كيف مرت هذه الشحنة عبر كل نقاط المراقبة دون أن تُرصد المشكلة إلا بعد وصولها؟ سؤال يكشف خللاً في سلسلة المراقبة، من الحقل إلى محطة التلفيف، وصولاً إلى التصدير.
سوق واعدة… وسمعة على المحك
تُعد روسيا من الأسواق التي استوعبت خلال السنوات الأخيرة جزءاً متزايداً من الصادرات الفلاحية المغربية، خصوصاً الحوامض التي سجلت صادراتها نحو أوروبا وروسيا ما يفوق 700 ألف طن سنوياً حسب معطيات رسمية.. غير أن حادثة واحدة كفيلة بإعادة ترتيب الثقة بشكل قاسٍ، فالسوق الدولية لا تملك ذاكرة قصيرة كما يروج البعض، بل تبني أحكامها على تراكم الحوادث، حيث يكفي تكرار مثل هذه الحالات لفتح الباب أمام منافسين من تركيا أو مصر لاقتناص الحصة بسهولة.
من الحقل إلى الميناء: أين يختبئ الخلل؟
لم يعد الحديث عن جودة المنتوج المغربي كافياً في زمن تتقدم فيه المعايير التقنية على الخطاب التسويقي، فالمشكلة لا تكمن في الإنتاج وحده، بل في منظومة متكاملة تشمل المعالجة، والتخزين، والنقل، والمراقبة.. حيث يؤكد خبراء القطاع أن احترام دفاتر التحملات الصحية يجب أن يكون ثقافة يومية لا إجراءً ظرفياً يُفعل فقط عند التصدير، ومع ذلك، يبدو أن بعض الفاعلين لا يزالون يتعاملون مع هذه المعايير كعبء إداري، لا كشرط وجود في الأسواق الدولية.
اقتصاد الفلاحة بين الواقعية والإنكار
وراء كل شحنة مرفوضة، توجد خسائر مالية مباشرة قد تصل إلى مئات آلاف الدولارات، فضلاً عن كلفة النقل والإتلاف، لكن الخسارة الأعمق تظل في تآكل الثقة، في سياق تنافسي عالمي، حيث تتسابق الدول على تحسين جودة صادراتها عبر استثمارات ضخمة في السلامة النباتية، يبدو أن أي تهاون و لو كان بسيطاً يتحول إلى ترف لا يمكن تحمله، والمفارقة الساخرة أن بلداً يراهن على الفلاحة كرافعة اقتصادية، قد يتعثر بسبب ذبابة، ليس لأنها أقوى، بل لأن منظومة اليقظة أضعف مما يجب.
اليقظة الصحية… أو الخروج من اللعبة
الحادثة ليست نهاية العالم، لكنها بالتأكيد جرس إنذار.. فتعزيز المراقبة، و تحديث آليات المعالجة النباتية، وتكثيف التتبع الميداني لم تعد خيارات، بل شروط بقاء.. فالعالم لا ينتظر المترددين، والأسواق لا ترحم الأخطاء المتكررة، وبين خطاب الترويج وواقع التفتيش، يبقى الفارق بسيطاً في الظاهر، لكنه مكلف للغاية في النتائج.




