
عادت فكرة الربط القاري بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق إلى واجهة النقاش الدولي بقوة، بعدما كشفت معطيات رسمية حديثة أن المشروع التاريخي أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى مرحلة التنفيذ، عقب تأكيد دراسات تقنية وهندسية حديثة إمكانية إنجازه وجدواه الاقتصادية.
ووفق تقارير إعلامية إسبانية، فإن بداية الأشغال قد تنطلق ابتداء من سنة 2027، بكلفة إجمالية تتراوح بين 7.5 و10 مليارات دولار، ما يجعله واحداً من أضخم مشاريع البنية التحتية في حوض المتوسط خلال العقود الأخيرة.
من حلم مؤجل إلى مشروع قابل للتنفيذ
هذا المشروع ليس وليد اليوم، إذ تعود أولى تصورات الربط الثابت بين ضفتي المتوسط إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي، غير أن التعقيدات الجيولوجية وارتفاع الكلفة المالية جعلا الفكرة تراوح مكانها لعقود.. والجديد اليوم أن الشركة الألمانية المتخصصة في حفر الأنفاق “Herrenknecht” خلصت، بعد مراجعات تقنية معمقة، إلى أن المشروع أصبح قابلاً للتنفيذ باستخدام التكنولوجيا الحالية، رغم التحديات الكبرى المرتبطة بعمق البحر وطبيعة الصخور والتيارات البحرية.
ويرتكز التصور الهندسي الحالي على إنشاء نفق سككي بطول يقارب 42 كيلومتراً، منها 27.7 كيلومتراً تحت قاع البحر، وعلى عمق قد يصل إلى 475 متراً، ليربط بين منطقة بونتا بالوما بمدينة طريفة جنوب إسبانيا وكاب مالاباطا بضواحي طنجة، وسيضم النفق أنبوبين منفصلين للقطارات، إضافة إلى ممر خدماتي للطوارئ والصيانة، على غرار نفق المانش الرابط بين فرنسا وبريطانيا.
مكاسب اقتصادية تتجاوز النقل
اقتصادياً، لا يتعلق الأمر فقط بتقليص زمن التنقل إلى نحو 30 دقيقة بين القارتين، بل بفتح ممر استراتيجي جديد للتجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، فالمغرب يعد اليوم الشريك التجاري الأول لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، حيث تجاوز حجم المبادلات بين البلدين 22 مليار يورو خلال السنوات الأخيرة، بينما يشهد ميناء طنجة المتوسط نمواً متسارعاً جعله من بين أكبر موانئ البحر الأبيض المتوسط من حيث مناولة الحاويات.
هذا الربط المنتظر قد يحول المغرب إلى منصة لوجستية أكثر قوة نحو إفريقيا، كما يمنح أوروبا منفذاً برياً وسككياً جديداً نحو الأسواق الإفريقية الصاعدة، خاصة في ظل اضطرابات الممرات البحرية العالمية وارتفاع تكاليف الشحن.
رهانات سياسية وجيوستراتيجية
سياسياً، يحمل المشروع دلالات تتجاوز الاقتصاد، إذ يعكس مستوى غير مسبوق من التقارب المغربي الإسباني بعد سنوات من التوتر، كما ينسجم مع التحضيرات المرتبطة بكأس العالم 2030 الذي سينظمه المغرب وإسبانيا والبرتغال بشكل مشترك، ما يمنحه زخماً إضافياً ورمزية قارية قوية.
غير أن الطريق ما يزال طويلاً، إذ تنتظر المشروع دراسات زلزالية وبيئية دقيقة، خصوصاً أن المضيق يعرف عبور أكثر من 100 ألف سفينة سنوياً ويضم نظاماً بيئياً بحرياً حساساً.. ومع ذلك، فإن انتقال المشروع من خانة “الحلم المؤجل” إلى “الخيار الواقعي” يمثل تحولاً استراتيجياً قد يعيد رسم خريطة الربط بين إفريقيا وأوروبا لعقود قادمة.




