الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

محمد الحبشي..الفنان الذي اختار الغياب

في تاريخ المسرح والسينما المغربية أسماء كثيرة مرت من الخشبة والشاشة، لكن قلة منها استطاعت أن تترك أثرا عميقا رغم قصر المسار وقلة الظهور. ومن بين هؤلاء يبرز اسم محمد الحبشي (1939 – 2013)، ذلك الفنان الذي لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدواراً عابرة، بل كان موهبة استثنائية من ذلك الجيل الذي صنع اللبنات الأولى للفن المغربي الحديث.

واحد من أبناء الدفعة المؤسسة للمسرح المغربي المعاصر

بدأت حكايته في أحياء درب السلطان الشعبية بالدار البيضاء، حيث تشكل وعيه الفني وسط الفرق المسرحية الهاوية منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي.

هناك اكتشف شغفه بالتمثيل، قبل أن يشق طريقه نحو الاحتراف عبر المركز المغربي للأبحاث المسرحية بالرباط، بعد نجاحه في المباراة التي نظمتها وزارة الشبيبة والرياضة، ليصبح واحدا من أبناء الدفعة المؤسسة للمسرح المغربي المعاصر.

ولم يتأخر الحبشي في طرق أبواب السينما. ففي سنة 1959 وقف لأول مرة أمام الكاميرا في الفيلم القصير “بوخو النجار” للمخرج الرائد محمد عصفور، إلى جانب الممثل عبد الرحيم إسحاق.

كانت تلك الخطوة الأولى نحو مسار سينمائي سيظل محدودا من حيث العدد، لكنه غني من حيث القيمة والأثر.

بعد تخرجه سنة 1961، انخرط في تجربة فرقة البدوي، قبل أن يلتحق بفرقة المعمورة الشهيرة، التي شكلت مدرسة حقيقية للفنانين المغاربة خلال عقد كامل من الزمن.

برز الحبشي ممثلاً مقتدرا قادراً على منح الشخصية روحا خاصة وحضورا آسرا

وهناك برز الحبشي ممثلا مقتدرا، قادرا على منح الشخصية روحا خاصة وحضورا آسرا، وعندما تفرقت طرق أعضاء المعمورة، وجد مكانه الطبيعي داخل عالم الطيب الصديقي، أحد كبار رواد المسرح المغربي، حيث شارك في العديد من الأعمال التي رسخت اسمه بين أبرز ممثلي جيله.

كان محمد الحبشي من أولئك الفنانين الذين لا يحتاجون إلى كثرة الكلام لإثبات موهبتهم، يكفي أن يظهر على الخشبة أو أمام الكاميرا حتى يفرض حضوره الهادئ والقوي في آن واحد.

لم يكن يعتمد على المبالغة أو الاستعراض، بل على صدق الأداء وعمق الإحساس، لذلك ظل حضوره راسخا في ذاكرة من عاصروه ومن تابعوا أعماله.

ظل الحبشي يختار أدوارا تمنح المعنى للفن أكثر مما تمنحه الشهرة

ورغم أن رصيده السينمائي لم يتجاوز اثني عشر فيلما، فإن تلك الأعمال كانت كافية لتخليد اسمه ضمن سجل الرواد، فمن “ليالي أندلسية” للعربي بناني سنة 1963، إلى “شمس الضباع” لرضا الباهي سنة 1974، مروراً بـ”رماد الزريبة” و”عرس دم” و”السراب” و”تاغونجة” و”44 أو أسطورة الليل” و”حلاق درب الفقراء”، وصولاً إلى “بامو” سنة 1984، ظل الحبشي يختار أدوارا تمنح المعنى للفن أكثر مما تمنحه الشهرة.

لكن حياة الفنان لم تكن مفروشة بالورود. فقد عانى، مثل كثير من أبناء جيله، من هشاشة الأوضاع الاجتماعية والمهنية التي كان يشتغل في ظلها الفنانون المغاربة، كما واجه في بداياته معارضة أسرية لاختياره مهنة التمثيل. وحين تحسنت ظروفه المعيشية نسبيا بعد وفاة والده، واتجه إلى تدبير أراضٍ فلاحية بمنطقة النواصر، اتخذ قرارا مفاجئا بالانسحاب من الساحة الفنية. انسحب بهدوء يشبه شخصيته، مبتعدا عن الأضواء، ومفضلا حياة الفلاح على صخب الشهرة.

بصعوبة أقنعته ثريا جبران المشاركة في سيتكوم “لاباس والو باس” بعد انعزال طويل

ورغم محاولات عدد من المخرجين إعادته إلى الشاشة، ظل وفياً لقراره، باستثناء إطلالة متأخرة أقنعته بها الفنانة الكبيرة ثريا جبران للمشاركة في سيتكوم “لاباس والو باس”.

أما السينما، فقد ودعها بإرادته بعد مشاركته سنة 1984 في الفيلمين “بامو” للمخرج إدريس المريني و”الحارس الشخصي” للمخرج الفرنسي فرانسوا لوتوريي.

برحيل محمد الحبشي يوم 21 نونبر 2013 بالدار البيضاء، بعد صراع طويل مع المرض، فقد الفن المغربي واحداً من أكثر ممثليه أصالة وتفرداً. غير أن الفنانين الحقيقيين لا يغيبون تماماً؛ فهم يواصلون الحياة داخل أعمالهم، وفي ذاكرة الجمهور الذي يعرف كيف يميز بين من مروا مروراً عابراً، ومن تركوا بصمة لا يمحوها الزمن.

لقد كان محمد الحبشي من تلك القامات النادرة التي لا تقاس بعدد الأدوار، بل بعمق الأثر.

فنانا اختار الصمت حين كان قادرا على الاستمرار، لكنه ظل، حتى بعد رحيله، شاهدا على زمن جميل من الإبداع المغربي، وزهرة فنية نادرة ما زالت تفوح عبيراً في ذاكرة المسرح والسينما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى