اقتصادالرئسية

سوق الدواجن بين الاحتكار والمنافسة الحقيقة

الوجه الخفي لإمبراطورية الدواجن في المغرب..

تحرير: جيهان مشكور

عاد ملف أسعار الدواجن بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة تتجاوز تقلبات العرض والطلب نحو مساءلة البنية الاقتصادية التي تحكم القطاع بأكمله..

ففي الوقت الذي تتجه فيه أصابع الاتهام عادة نحو مربي الدجاج كلما ارتفعت الأسعار، يطرح تقرير أعده صحافي الاستقصاء يوسف الحيرش أسئلة محرجة حول الجهات التي تتحكم فعليا في مفاصل سلسلة الإنتاج، وحول مدى قدرة المربين الصغار والمتوسطين على الصمود أمام منظومة يصفها التقرير بأنها قائمة على تركيز النفوذ الاقتصادي وهيمنة عدد محدود من الفاعلين.

أرقام رسمية تكشف حجم القطاع… وتكشف معه حجم الاختناق

أكد الحيرش، أن قطاع الدواجن، الذي يعد، أحد أهم القطاعات الفلاحية بالمغرب، إذ، أن المعطيات المنشورة على موقع ONSSA تشير إلى أن الاستثمارات في هذا القطاع بلغت سنة 2018 نحو 12.9 مليار درهم، بعائدات إجمالية تقدر بـ31 مليار درهم، مع خلق 495 ألف منصب شغل، وفي المقابل، تعرض FISA أرقامًا أحدث نسبيًا تفيد بأن إنتاج سنة 2022 بلغ 655 ألف طن من لحوم الدواجن و5 مليارات بيضة، مع 3 ملايين طن من الأعلاف المركبة، و46 مصنعًا للأعلاف، و56 وحدة تفريخ، و7.627 ضيعة لدجاج اللحم، و30 مجزرًا مرخصًا، إضافة إلى 142 ألف منصب مباشر و328 ألف غير مباشر.. ، كما يمثل المصدر الأول للبروتين الحيواني بالنسبة لشرائح واسعة من الأسر المغربية، غير أن أهمية القطاع لم تمنع من تصاعد الانتقادات الموجهة إلى طريقة تدبيره وإلى اختلالات السوق التي باتت تؤثر بشكل مباشر على المنتجين والمستهلكين معا.

الحلقة الأضعف في السلسلة

بحسب المعطيات التي أوردها الحيرش، فإن جمعية مربي الدجاج لا تتحمل المسؤولية الرئيسية عن ارتفاع الأسعار أو عن الأزمات المتكررة التي يعيشها القطاع، بل تعتبر نفسها الحلقة الأضعف داخل منظومة إنتاج تسيطر عليها شركات كبرى متخصصة في المحاضن وإنتاج الأعلاف، حيث يشير التقرير إلى أن المربين يقتنون الكتاكيت والأعلاف المركبة بأسعار مرتفعة ما ينعكس مباشرة على هوامش الربح وعلى القدرة التنافسية للمربين..

وفي ظل هذه المعادلة، يجد آلاف المربين أنفسهم أمام تكاليف إنتاج مرتفعة لا يملكون وسائل حقيقية للتحكم فيها، بينما يتحملون وحدهم مخاطر تقلبات السوق وانخفاض الطلب أو تراجع الأسعار.

امتيازات جمركية وأسئلة حول المنافسة

ومن بين أكثر النقاط إثارة للجدل في التقرير، حديثه عن امتيازات جمركية استفادت منها هذه المنظومة منذ سنة 2011، في سياق مخطط المغرب الأخضر، على مستوى استيراد أمهات دجاج اللحم لإنتاج الفلّوس، وكذا مدخلات الأعلاف مثل الذرة والصويا..

ويشير التقرير إلى أن هذه الامتيازات منحت حينها، في فترة تولي عزيز أخنوش حقيبة الفلاحة، مع ما يرافق ذلك من اتهامات ضمنية بوجود تضارب مصالح، خاصة في ظل ما يسميه التقرير بالمساندة التي تتلقاها الفدرالية من شركتي أفريقيا غاز ومغرب أكسجين، في مقابل تزويد حصري لهما بالمحروقات التي تحتاجها المصانع…

ويطرح هذا الوضع تساؤلات جوهرية حول طبيعة المنافسة داخل القطاع ومدى قدرة الفاعلين الجدد أو الصغار على الولوج إلى السوق بشروط متكافئة.

بل ويذهب التقرير أبعد من ذلك حين يتحدث عن عراقيل، داخل المؤسسات المنتخبة، تحول دون استفادة مربّي الدجاج من إمكانية استيراد الفلّوس بأسعار أقل، وهو ما كان، في نظرهم، من شأنه أن يخفف كلفة الإنتاج ويحد من هيمنة الوسطاء الكبار، كما يلفت إلى أن عددا من شركات الأعلاف ليست مجرد فاعل في هذا المجال، بل تمتلك أيضا شركات لاستيراد الحبوب ومحاضن مهيمنة على السوق، الأمر الذي يعمق منطق التركيز والاحتكار ويزيد من هشاشة المربين الصغار والمتوسطين.

بعد عيد الأضحى.. الوجه المأساوي للأزمة

وربما تكون أكثر الصور قسوة في التقرير تلك التي تتعلق بالمصير الاجتماعي للمربين الصغار، فبعيدًا عن لغة الأرقام والمؤشرات، يتحدث التقرير عن مربين أثقلتهم الديون والشيكات المؤجلة والتزامات الأداء تجاه شركات الأعلاف والمحاضن.

في هذا الواقع القاسي، لم تعد الخسارة مجرد رقم في كشف الحساب، بل تحولت لدى البعض إلى تهديد مباشر لمصدر العيش والاستقرار الأسري، فهناك من يجد نفسه مضطرًا لبيع ضيعته لتسديد الديون، وهناك من يعيش تحت ضغط المتابعات القضائية بسبب الشيكات غير المؤداة، في مشهد يكشف الوجه الآخر لمنظومة تحقق فيها الشركات الكبرى أرقام معاملات بمليارات الدراهم بينما يواجه المنتج الصغير شبح الإفلاس.

الحاجة إلى إصلاح هيكلي

تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى فتح نقاش وطني حول مستقبل قطاع الدواجن بالمغرب.. فبدل تبادل الاتهامات.. المطلوب، وفق عدد من المتابعين، ليس فقط مراقبة الأسعار، بل مراجعة قواعد المنافسة داخل السوق، وتعزيز الشفافية في تحديد أثمان المدخلات الأساسية، وتمكين المربين من بدائل حقيقية للحصول على الكتاكيت والأعلاف بأسعار تنافسية.

فإذا كانت القدرة الشرائية للمستهلك المغربي تتأثر بأسعار الدجاج، فإن مستقبل آلاف الأسر المرتبطة بهذا النشاط يتوقف بدوره على مدى قدرة الدولة على فرض قواعد منافسة عادلة وإرساء حكامة اقتصادية تجعل من الدعم العمومي أداة لتوسيع الفرص لا لتكريس الاحتكار.

نحن إذا، أمام تقرير يكشف، أن قطاع الدواجن بالمغرب، رغم وزنه الاقتصادي الكبير الذي يتجاوز 31 مليار درهم من رقم المعاملات سنوياً واستثمارات تناهز 12.9 مليار درهم، يعاني من اختلالات هيكلية تتجاوز التقلبات الظرفية للأسعار، فالمغرب ينتج سنوياً نحو 655 ألف طن من لحوم الدواجن و5 مليارات بيضة، ما يؤكد أن المشكلة ليست في ضعف الإنتاج أو نقص العرض، بل في طبيعة تنظيم السوق وتوزيع النفوذ داخل سلسلة الإنتاج.

أزمة الدواجن في المغرب أقرب إلى أزمة حكامة ومنافسة

وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى وجود تركيز واضح للقوة الاقتصادية في حلقات محددة من القطاع، خصوصاً في مجال إنتاج الكتاكيت والأعلاف. فبينما يضم القطاع أكثر من 7600 ضيعة لتربية دجاج اللحم، لا يتجاوز عدد وحدات التفريخ 56 وحدة وعدد مصانع الأعلاف 46 مصنعاً، ما يجعل آلاف المربين رهائن لعدد محدود من الموردين. وتزداد حدة هذا الاختلال إذا ما استحضرنا أن الأعلاف تمثل ما بين 60 و70 في المائة من تكلفة الإنتاج، الأمر الذي يفسر هشاشة المربين أمام أي ارتفاع في أسعار المدخلات أو أي تحكم في شروط التزويد.

كما يطرح التقرير أخيرا، أسئلة جوهرية حول أثر الامتيازات الجمركية والدعم الذي استفادت منه مدخلات القطاع منذ سنة 2011، ومدى انعكاسه الفعلي على المربين والمستهلكين، فاستمرار شكاوى المنتجين وارتفاع الأسعار بشكل متكرر يوحيان بأن جزءا مهما من القيمة المضافة يتجمع في حلقات معينة من السلسلة الإنتاجية، بدل أن ينعكس على استقرار السوق وتحسين أوضاع المربين. ومن ثم، تبدو أزمة الدواجن في المغرب أقرب إلى أزمة حكامة ومنافسة داخل السوق منها إلى أزمة إنتاج، ما يستدعي نقاشا أعمق حول شفافية القطاع وتوازن العلاقات بين مختلف الفاعلين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى