
في اعتراف رسمي نادر يكشف جانباً من الأعطاب المزمنة التي تنخر السياسة الفلاحية بالمغرب، أقر رضوان عراش، الكاتب العام لوزارة الفلاحة، بأن نموذج دعم المدخلات الفلاحية لم يحقق الأهداف المعلنة رغم ضخ أكثر من 3 مليارات دولار منذ جائحة كوفيد-19 لمواجهة تداعيات الجفاف والحفاظ على القطيع الوطني ومواكبة الفلاحين.
يتجاوز هذا التصريح سؤال النجاعة، ليفتح الباب أمام مراجعة شاملة لمنظومة استنزفت المال العام دون أن تنجح في حماية القدرة الشرائية للمواطن أو ضمان استقرار الأسعار أو إنقاذ الفلاح الصغير من دوامة الإفلاس والتهميش.
الدعم الذي يغذي المضاربة بدل الإنتاج
كشف المسؤول الحكومي خلال الاجتماع الربيعي لمنتدى باريس، أن دعم البذور والأسمدة في الزراعات الحقلية تحول في كثير من الأحيان إلى وقود للمضاربة والانتهازية بدل أن يكون أداة لتعزيز الإنتاج وتحسين المردودية.
فبحسب عراش، فإن الدعم العمومي يؤدي في حالات عديدة إلى نتائج عكسية، إذ ترتفع أسعار المدخلات الفلاحية رغم المساعدات الموجهة للقطاع، وهو اعتراف خطير يؤكد أن جزءاً من الأموال المرصودة لا يصل إلى غاياته الحقيقية، بل يتحول إلى أرباح إضافية لفئات تستفيد من اختلالات السوق وآليات التوزيع، وتزداد خطورة الوضع عندما يصبح الدعم نفسه عاملاً في خلق ضغط تضخمي جديد، في وقت يعاني فيه المغاربة أصلاً من موجة غلاء غير مسبوقة مست المواد الغذائية الأساسية، وعلى رأسها الخضر واللحوم والحبوب.
مستثمرون يقتنصون الدعم… والفلاح الحقيقي يدفع الثمن
الأكثر إثارة للانتباه في تصريحات الكاتب العام للوزارة هو حديثه عن دخول مستثمرين جدد إلى القطاع للاستفادة من الامتيازات المالية المرتبطة بالدعم، دون أن يكونوا فلاحين فعليين أو مرتبطين عضوياً بالنشاط الزراعي التقليدي.، ما يعكس خللاً عميقاً في منظومة الاستهداف والرقابة، حيث تتحول المساعدات العمومية إلى فرصة للاغتناء السريع بدل أن تكون رافعة للتنمية القروية.. وبينما تتوسع دائرة المستفيدين من الريع الفلاحي، يجد آلاف الفلاحين الصغار أنفسهم عاجزين عن تحمل تكاليف الإنتاج المتزايدة أو مواجهة سنوات الجفاف المتتالية.
التصدير أولاً… والسوق الوطنية آخر الاهتمامات
والمفارقة الكبرى أن جزءاً مهماً من الإنتاج المستفيد من الدعم العمومي لا ينتهي على موائد المغاربة، بل يتجه نحو الأسواق الخارجية حيث الطلب مرتفع والأسعار أكثر جاذبية.
وبذلك تتحمل خزينة الدولة كلفة الدعم، بينما تجني الأسواق الأجنبية جزءاً من ثماره، أما المستهلك المغربي، الذي يمول هذه السياسات عبر الضرائب والمال العام، فيواصل شراء المنتجات نفسها بأسعار مرتفعة لا تعكس حجم المساعدات الممنوحة للقطاع.
اعتراف متأخر وحاجة إلى مراجعة جذرية
في ظل سبع سنوات متتالية من الجفاف وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي رفعت أسعار الأسمدة عالمياً، دعا عراش إلى إعادة النظر في “معادلة الدعم” والابتعاد عن الحلول السهلة، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة.. كما تراهن الوزارة على تطوير منظومة “أكريتيك” لتأمين سلسلة القيمة الفلاحية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن تبرير إنفاق مليارات الدولارات على سياسات يعترف مسؤولوها أنفسهم بأنها تولد الانتهازية والتضخم؟ فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بندرة الأمطار، بل أيضاً بمدى قدرة الدولة على بناء نموذج دعم عادل وفعال يضع الفلاح الحقيقي والمستهلك المغربي في صلب المعادلة، بدل ترك المال العام أسيراً للمضاربة والمصالح الضيقة.





