
تحرير: بثينة المكودي
لم يعد الحديث عن “انسجام الأغلبية الحكومية” سوى صدى خطاب سياسي فقد بريقه أمام واقع ميداني يتسم بالتوتر والتنافر. فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت ملامح تفكك التحالف الثلاثي تتضح بشكل جلي، بعدما دخلت مكوناته في سباق محموم نحو إعادة ترتيب المواقع، وكسب المرشحين، والتحكم في مفاتيح التزكيات.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لارتفاع منسوب التنافس الداخلي، وتراجع منطق التنسيق الذي ظل يُسوَّق خلال السنة الماضية كعنوان لمرحلة سياسية مستقرة. اليوم، يبدو أن حسابات الربح الانتخابي طغت على منطق التحالف، لتتحول العلاقة بين مكونات الأغلبية من شراكة سياسية إلى تنافس مفتوح، بل وأحياناً إلى صراع غير معلن.
المجالس المنتخبة… مرآة الانقسام
انعكاسات هذا التباعد لم تتأخر في الظهور، حيث تحولت عدد من المجالس المنتخبة، سواء على مستوى الجماعات أو الجهات، إلى ساحات توتر وخلافات متصاعدة. في مدن كبرى، باتت الاجتماعات تعقد على إيقاع الاتهامات المتبادلة، وظهرت بوادر “بلوكاج” مؤسساتي نتيجة صراعات بين الرؤساء ونوابهم، أو بين مكونات الأغلبية نفسها.
هذه الوضعية تكشف، بشكل واضح، أن القيادات الحزبية لم تعد قادرة على ضبط قواعدها المحلية، ولا على فرض الانضباط السياسي داخل المجالس، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى قدرة هذه الأحزاب على تدبير مرحلة انتخابية دقيقة بنفس منطق “التحالف المنسجم”.
تحالف المصالح بدل تحالف البرامج
ما يجري اليوم يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة هذا التحالف: هل كان قائماً على أرضية سياسية وبرامجية واضحة، أم أنه تأسس منذ البداية على توازنات ظرفية ومصالح متقاطعة؟
المؤشرات الحالية تميل إلى الفرضية الثانية، حيث تحولت التزكيات إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ، وأصبح عدد من المنتخبين يضعون “الترحال السياسي” ضمن خياراتهم المفتوحة، بحثاً عن مواقع أفضل أو ضمانات انتخابية أقوى. وهو ما يهدد ليس فقط استقرار المجالس، بل أيضاً ثقة المواطنين في العمل السياسي برمته.
أصوات من داخل الأغلبية… بداية التمرد؟
الأكثر دلالة في هذا السياق، هو بروز أصوات منتقدة من داخل نفس مكونات الأغلبية، بعدما كانت لغة “التضامن الحكومي” تهيمن على الخطاب السياسي. هذه الأصوات، التي بدأت تعبر عن امتعاضها من تدبير بعض الملفات أو من طريقة توزيع المواقع، تعكس حجم الاحتقان الداخلي، وتؤشر على احتمال اتساع دائرة الخلاف خلال المرحلة المقبلة.
نحو انتخابات على إيقاع التوتر
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الطريق نحو الانتخابات لن يكون معبداً بالتحالفات المستقرة، بل بالصراعات المفتوحة، سواء داخل الأحزاب أو بينها. وهو ما قد يفرز خريطة سياسية أكثر تعقيداً، عنوانها إعادة تشكيل التحالفات، وربما نهاية مرحلة “الأغلبية المريحة” التي ميزت بداية الولاية الحكومية.
في المحصلة، ما يجري اليوم داخل المجالس المنتخبة ليس سوى واجهة لصراع أعمق يدور في كواليس الأحزاب، صراع حول النفوذ والتموقع أكثر منه حول البرامج والرؤى. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، في مشهد سياسي يبدو أنه دخل مبكراً زمن الحسابات الانتخابية، قبل أن يُنهي حتى التزاماته التنموية.





