يبدو أن الطريق نحو السوق المالية المغربية لن يكون مفتوحاً أمام شركات التكنولوجيا المالية العالمية بالسهولة التي كانت تتوقعها، بعدما أكد بنك المغرب أن الظرفية الحالية لا تسمح بمنح الضوء الأخضر لشركة “ريفولوت (Revolut)”، إحدى أكبر منصات الخدمات المصرفية الرقمية في أوروبا، للدخول إلى المملكة..
عبد اللطيف الجواهري والي بنك المغرب
ويعكس هذا الموقف توجهاً حذراً من السلطات النقدية، التي تضع في مقدمة أولوياتها استكمال إصلاحات مالية وتنظيمية تعتبرها أكثر إلحاحاً من استقبال فاعلين دوليين جدد.
أولويات تنظيمية تتقدم على الانفتاح المالي
خلال ندوة صحفية، أوضح والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري أن مسؤولي “ريفولوت” أبدوا اهتماماً واضحاً بالاستثمار في السوق المغربية، وعقدوا لقاءً مع الرئيس التنفيذي للشركة خلال الشهر الجاري، غير أن البنك المركزي لا يرى أن الظروف الحالية مناسبة للمضي في هذا المسار.
ويأتي هذا الموقف في وقت ينشغل فيه بنك المغرب بثلاثة أوراش استراتيجية، أبرزها ملاءمة الإطار التنظيمي الخاص بتحويلات ومساهمات المغاربة المقيمين بالخارج مع القواعد الأوروبية الجديدة، إلى جانب التحضير لاستحقاقات دولية مهمة تشمل مراجعات ” مجموعة العمل المالي” (GAFI)” الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن الاستعدادات المرتبطة بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي قبل نهاية السنة.
وتكتسي هذه الملفات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بصورة المغرب المالية أمام المؤسسات الدولية، خصوصاً بعد خروجه سنة 2023 من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، وهو مكسب تسعى السلطات إلى تثبيته عبر تعزيز منظومة الامتثال والشفافية.
سوق يعتبرها المغرب مشبعة بالخدمات الرقمية
ورغم الاهتمام الذي أبدته “ريفولوت” بالسوق المغربية، فإن الجواهري أكد أن الشركة لم تتقدم بأي طلب رسمي للحصول على ترخيص لمزاولة النشاط، وأن الاتصالات لم تتجاوز مرحلة استكشاف فرص الاستثمار.
ويستند البنك المركزي في موقفه إلى قناعة مفادها أن الخدمات التي تقدمها الشركة البريطانية، من حسابات رقمية وتحويلات دولية وادخار وصرف العملات الأجنبية والعملات المشفرة، أصبحت متوفرة بدرجات متفاوتة لدى البنوك المغربية وشركات الأداء الإلكتروني، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً بفعل تسارع الرقمنة.
وتشير معطيات رسمية إلى أن معدل الشمول المالي في المغرب تجاوز 54% من السكان البالغين، فيما بلغ عدد الحسابات البنكية أكثر من 38 مليون حساب، بالتوازي مع توسع خدمات الأداء عبر الهاتف المحمول والمحافظ الرقمية، في إطار الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي. منافسة مؤجلة… واستعداد مغربي استباقي ورغم قرار التأجيل، فإن المغرب لا يغلق الباب نهائياً أمام “ريفولوت”، إذ أشار والي بنك المغرب إلى أن مسؤولي الشركة استوعبوا خصوصية المرحلة الحالية، وقد يعودون لطرح مشروعهم عندما تتغير الظروف التنظيمية.
وكانت الشركة قد بدأت خلال الأشهر الماضية تعزيز حضورها الاستكشافي بالمملكة عبر تعيين ياسين فقير، المسؤول السابق في “ماستر كارد”، لقيادة جهودها محلياً، في مؤشر على جاذبية السوق المغربية التي تتميز بارتفاع استخدام الهواتف الذكية وتنامي الطلب على الخدمات المالية الرقمية.
تقدر قيمتها السوقية بنحو 75 مليار دولار
وتخدم “ريفولوت”، التي تأسست سنة 2015، أكثر من 75 مليون عميل في أكثر من 160 دولة، وتدعم أكثر من 30 عملة، فيما تقدر قيمتها السوقية بنحو 75 مليار دولار وفق بيانات سنة 2025، ما يجعلها من أكبر شركات التكنولوجيا المالية في العالم. في المقابل، يبدو أن البنوك المغربية تتحرك بدورها لاستباق المنافسة؛ إذ أعلنت مجموعة التجاري وفا بنك، خلال شهر ماي الماضي، إطلاق أول بنك رقمي بالمملكة، في خطوة تعكس إدراك القطاع المصرفي الوطني بأن المنافسة المقبلة لن تكون بين البنوك التقليدية فقط، بل مع عمالقة التكنولوجيا المالية العالميين الذين يستهدفون بالأساس فئة الشباب والاقتصاد الرقمي.