
من يؤمّن المواطن من جشع سوق التأمين؟
مرة أخرى، تؤكد الأرقام الرسمية أن قطاع التأمين في المغرب لا يعرف الأزمات التي يعيشها ملايين المواطنين، بل يبدو وكأنه يغرد خارج سرب الاقتصاد الحقيقي، ففي الوقت الذي تواصل فيه الأسر المغربية مواجهة ارتفاع تكاليف العلاج، وتعويضات حوادث السير، وأقساط التأمين التي تستنزف ميزانياتها، تعلن شركات التأمين عن أرباح قياسية تؤكد أن الرابح الأكبر في هذه المعادلة ليس المؤمن له، بل المؤسسات المالية التي نجحت في تحويل المخاطر إلى مصدر متنامٍ للأرباح..
و تطرح هذه المفارقة سؤالاً مشروعاً: إذا كانت شركات التأمين تحقق نتائج مالية غير مسبوقة عاماً بعد آخر، فلماذا لا يلمس المواطن تحسناً موازياً في جودة الخدمات، وسرعة التعويضات، وتبسيط المساطر التي ما تزال تشكل مصدر شكاوى متكررة؟
أرقام قياسية تكشف قوة القطاع
بحسب لجنة التنسيق والرقابة على المخاطر الشمولية، خلال اجتماعها الثالث والعشرين المنعقد بمقر بنك المغرب، بلغ صافي أرباح شركات التأمين خلال سنة 2025 حوالي 5.3 مليارات درهم، بارتفاع قوي بلغ 21.4% مقارنة بسنة 2024، فيما ارتفع رقم المعاملات إلى 63.2 مليار درهم، بنمو نسبته 7.5%، مدفوعاً بارتفاع نشاط التأمين على الحياة بنسبة 8.4%، والتأمينات غير المرتبطة بالحياة بنسبة 6.6%، كما أكدت اختبارات الضغط قدرة القطاع على الصمود أمام السيناريوهات الاقتصادية والتقنية الصعبة، وهو ما يعكس متانة وضعه المالي.
ولا تقف المؤشرات الإيجابية عند هذا الحد، إذ بلغت مردودية الأموال الذاتية 11.1%، وهو أعلى مستوى خلال العقد الأخير، بينما ارتفع هامش الملاءة إلى 409.4%، مستفيداً من الأداء القوي لسوق الرساميل وارتفاع مؤشر “مازي”.
لربحية ليست إنجازاً إذا غابت العدالة التأمينية
ورغم أهمية هذه النتائج بالنسبة لاستقرار النظام المالي، فإنها تفتح في المقابل باباً واسعاً للنقاش حول البعد الاجتماعي لقطاع التأمين.. فالمنطق الاقتصادي لا يمكن أن يختزل النجاح في تضخم الأرباح وحدها، بينما يشعر عدد من الزبناء بأنهم يواجهون عراقيل إدارية طويلة عند طلب التعويض، أو يضطرون إلى خوض مساطر معقدة للحصول على حقوقهم.
إن التأمين ليس نشاطاً تجارياً عادياً، بل خدمة ترتبط بالأمن الاجتماعي والاقتصادي للأفراد والمقاولات.. لذلك، فإن استمرار ارتفاع الأرباح دون تطوير ملموس لجودة الخدمات أو مراجعة بعض الممارسات التي تثير تذمر المؤمن لهم، قد يوسع فجوة الثقة بين الشركات وزبنائها.
الدولة مطالبة برقابة تتجاوز لغة الأرقام
سياسياً، يعكس الأداء القوي للقطاع نجاح السلطات المالية في الحفاظ على استقرار المنظومة المالية، غير أن هذا النجاح يجب ألا يتحول إلى مبرر لغض الطرف عن حقوق المستهلك، فالهيئات الرقابية مطالبة اليوم بأكثر من مراقبة الملاءة المالية؛ إنها مطالبة أيضاً بفرض معايير صارمة تتعلق بالشفافية، واحترام آجال التعويض، وجودة الخدمات، وحماية المؤمن لهم من أي ممارسات قد تخل بمبدأ التوازن التعاقدي.
فنجاح قطاع التأمين لا يقاس فقط بمليارات الدراهم التي يضيفها إلى حسابات المساهمين، بل بمدى مساهمته في تعزيز الثقة والعدالة الاقتصادية، أما إذا استمرت الأرباح في التحليق، بينما بقي المواطن يطارد تعويضاً أو ينتظر تسوية ملف لأشهر، فإن الحديث عن “دينامية القطاع” سيظل ناقصاً، لأن الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى بالأرباح وحدها، بل بثقة المواطن في المؤسسات التي يفترض أنها تؤمّن مستقبله قبل أن تؤمّن أرباحها.





