اقتصادالرئسية

مناجم..صفقة غازية تعيد رسم خارطة الطاقة

يشكل حصول مجموعة “مناجم” على موافقة مجلس المنافسة للاستحواذ على شركة ساوند إنرجي مريجة المحدودة “Sound Energy Meridja Limited”، التابعة للمجموعة البريطانية ساوند إنرجي “Sound Energy”، أكثر من مجرد عملية تركيز اقتصادي عادية، بل يعكس تحولاً استراتيجياً في تموقع إحدى أكبر المجموعات التعدينية المغربية داخل قطاع الطاقة، في وقت يواجه فيه المغرب تحديات متزايدة مرتبطة بأمنه الطاقي وتقلبات الأسواق الدولية وارتفاع كلفة واردات المحروقات.

مناجم

وبموجب القرار، ستتولى “مناجم” السيطرة الحصرية على الشركة المتخصصة في استكشاف وتطوير أصول الغاز بالمغرب، بعد أن أكد مجلس المنافسة استيفاء العملية لجميع الشروط القانونية والتنظيمية المؤطرة لعمليات الاندماج والاستحواذ، ما يمهد لإتمام الصفقة بشكل نهائي.

من التعدين إلى الغاز.. تنويع يفرضه الواقع الاقتصادي

لم يعد تنويع الاستثمارات بالنسبة للمجموعات الصناعية الكبرى خياراً، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات الاقتصادية العالمية.. فمجموعة “مناجم”، التي راكمت خبرة طويلة في استخراج المعادن الثمينة والأساسية، تتجه اليوم نحو قطاع الغاز الطبيعي باعتباره أحد أكثر القطاعات الواعدة في ظل تزايد الطلب الوطني على الطاقة.

ويأتي هذا التحول في سياق اقتصادي حساس، إذ يعتمد المغرب بشكل كبير على استيراد احتياجاته الطاقية، حيث تتجاوز نسبة التبعية الطاقية 90% وفق معطيات رسمية لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وهو ما يجعل أي استثمار في الموارد المحلية يحمل بعداً استراتيجياً يتجاوز الحسابات التجارية البحتة.

الأمن الطاقي… رهان اقتصادي وسيادي

تكتسي الصفقة أهمية خاصة لأنها تتعلق بأصول غازية داخل التراب الوطني، في وقت يسعى فيه المغرب إلى تسريع تطوير موارده الطبيعية لتقليص فاتورة الواردات الطاقية، التي تتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.

كما يراهن المغرب على الغاز الطبيعي باعتباره وقوداً انتقالياً يواكب التوسع في الطاقات المتجددة، خاصة أن المملكة وضعت هدفاً يتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52% من القدرة الكهربائية المركبة، مع نهاية العقد الجاري، وفق الاستراتيجية الوطنية للطاقة.

ومن هذا المنطلق، فإن دخول فاعل وطني بحجم “مناجم” إلى هذا القطاع قد يعزز قدرة المغرب على تعبئة استثمارات جديدة وتسريع تطوير بعض المشاريع الغازية التي ظلت رهينة التمويل أو الشراكات الأجنبية.

رهانات اجتماعية… وفرص تنتظر التفعيل

ولا تقتصر آثار هذه العملية على المؤشرات المالية، إذ يرتبط تطوير مشاريع الغاز عادة بإحداث فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، سواء خلال مراحل الاستكشاف أو التطوير أو الاستغلال، فضلاً عن تنشيط المقاولات المحلية العاملة في مجالات الهندسة والخدمات اللوجستية والصيانة.

غير أن تحويل هذه الاستثمارات إلى مكاسب اجتماعية يظل رهيناً بسرعة تطوير الحقول المكتشفة، وحجم الاحتياطات القابلة للاستغلال التجاري، ومدى قدرة المشاريع الجديدة على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، بدل الاكتفاء بتغيير هوية المستثمر.

موافقة قانونية… لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الصفقة

ورغم أن مجلس المنافسة أكد مطابقة العملية للقواعد المنظمة لعمليات التركيز الاقتصادي، فإن نجاحها سيقاس مستقبلاً بمدى مساهمتها في تعزيز الإنتاج الوطني من الغاز، وتقليص التبعية للخارج، ودعم تنافسية الاقتصاد المغربي الذي لا تزال كلفة الطاقة تمثل أحد أبرز التحديات أمامه.

وبذلك، تبدو صفقة استحواذ “مناجم” على شركة “ساوند إنرجي مريجة المحدودة” “Sound Energy Meridja Limited” خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وسيادية تتجاوز حدود انتقال الملكية، لتفتح الباب أمام اختبار حقيقي لقدرة الرأسمال الوطني على لعب دور أكبر في تحقيق الأمن الطاقي وتعزيز التنمية الاقتصادية، في مرحلة أصبحت فيها الطاقة إحدى أهم ركائز الاستقرار الاجتماعي والسياسي والقدرة التنافسية للدول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى