الرئسيةمجتمع

سبتة تلفظ المهاجرين..والواقع يهزم الأوهام

لم تستغرق أحلام كثير من الشبان المغاربة طويلا حتى اصطدمت بواقع أكثر قسوة مما توقعوا، فبعد أيام من التدفق غير المسبوق نحو مدينة سبتة المحتلة، بدأ مئات المهاجرين العودة إلى المغرب، بعدما اكتشفوا أن المدينة التي اعتقدوا أنها ستكون بوابتهم إلى أوروبا تحولت إلى فضاء مغلق، لا يوفر لا فرصة للعبور ولا مقومات للحياة.

موجة العودة جاءت بعد أن تبددت الآمال التي غذتها مقاطع فيديو

وكشف تقرير ميداني لوكالة “رويترز” أن موجة العودة جاءت بعد أن تبددت الآمال التي غذتها مقاطع فيديو ورسائل انتشرت بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي، أوحت بإمكانية الوصول إلى أوروبا بسهولة. لكن الواقع الذي واجهه المهاجرون كان مختلفاً تماماً، إذ وجدوا أنفسهم محاصرين داخل مدينة صغيرة، معزولين عن البر الإسباني، في ظل نقص الغذاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتشديد الإجراءات الأمنية.

وأضافت “رويترز” في تقريرها، أن إبراهيم، وهو خباز من مدينة فاس، كان أحد الذين صدقوا تلك الروايات. ترك عمله وانطلق نحو سبتة على أمل أن يبدأ حياة جديدة، لكنه وجد نفسه عاجزاً حتى عن شراء الطعام. ويقول إن الأيام الثلاثة الأولى مرت عليه وهو يكتفي بشرب الماء بعدما عجز عن تحمل الأسعار المرتفعة، مستغرباً أن يصل ثمن شطيرة تونة إلى نحو مائة درهم.

وصفت المدينة بأنها “سجن مفتوح”

ولم يكن إبراهيم وحده من اصطدم بالحقيقة. عامل بميناء طنجة المتوسط، فضل عدم الكشف عن هويته، وصف المدينة بأنها “سجن مفتوح”، مؤكداً أن الحركة كانت شبه متوقفة، وأن جميع المنافذ المؤدية إلى أوروبا ظلت مغلقة، ما جعل آلاف الوافدين يعيشون حالة من الانتظار واليأس.

ومع تزايد أعداد العالقين، بدأت أجواء التوتر تتصاعد داخل المدينة. فبحسب شهادات نقلتها “رويترز”، تعرض عدد من المهاجرين للطرد والمضايقات، خصوصاً في حي “إل برينثيبي” ذي الأغلبية المغربية. وقال النادل المغربي ياسين إيشو إنه تعرض للضرب والطرد، معتبراً أن إغلاق المتاجر كان وسيلة للضغط على المهاجرين ودفعهم إلى مغادرة المدينة، وهو ما حدث بالفعل مع أعداد كبيرة منهم.

في المقابل، أكدت وزارة الداخلية الإسبانية وقوع حادثتي طعن أسفرتا عن إصابتين طفيفتين، مشيرة إلى توقيف أحد المشتبه فيهم، بينما عززت السلطات انتشارها الأمني في مختلف أحياء سبتة، في محاولة لإعادة السيطرة على الوضع.

وجود آلاف الأشخاص ما زالوا عالقين داخل المدينة

ورغم عودة المقاهي إلى فتح أبوابها تدريجيا، ظلت مظاهر الأزمة حاضرة. فمعظم المتاجر بقيت مغلقة، بينما عبر سكان المدينة عن خليط من القلق والتعاطف.

وقال “تيتو”، صاحب متجر للأدوات، إن الشباب الذين وصلوا إلى سبتة “ضحايا للاستغلال”، معتبراً أنهم تحولوا إلى ورقة في تجاذبات سياسية تتجاوزهم.

أما داخل مركز استقبال المهاجرين، فقد أكد عامل في المجال الإنساني أن المركز بلغ طاقته القصوى، ولم يعد قادراً على استقبال مزيد من الوافدين، في وقت تشير فيه التقديرات إلى وجود آلاف الأشخاص ما زالوا عالقين داخل المدينة.

تفضيل البعض الموت على التخلي عن حلم البقاء في أوروبا

ورغم هذا الواقع، لا يزال بعض المهاجرين يرفضون فكرة العودة. محمد أحمد، وهو مهاجر سوداني يبلغ من العمر 43 عاماً، قال إنه سبح أربع ساعات للوصول إلى سبتة، مؤكداً أنه يفضل الموت على التخلي عن حلم البقاء في أوروبا، رغم العراقيل والإجراءات الأمنية.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن نحو 60 ألف شخص وصلوا إلى سبتة خلال أيام قليلة، وهو رقم غير مسبوق مقارنة بعدد سكان المدينة، فيما تحدثت وزارة الداخلية الإسبانية عن عبور نحو 49 ألف شخص خلال أربع وعشرين ساعة فقط، ما دفع مدريد إلى إعلان حالة الطوارئ والاستعانة بالجيش لتأمين الحدود.

الأزمة لم تتوقف عند حدود سبتة، بل سرعان ما تحولت إلى قضية أوروبية ودولية. فقد وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مشاهد العبور الجماعي بأنها “غير مقبولة”، داعية إلى وقف هذه العمليات الخطرة، بينما وجهت وزارة الخارجية الأمريكية اتهامات للحكومة الإسبانية بالتساهل في تسهيل موجة الهجرة الجماعية نحو أوروبا.

وبعيداً عن الأرقام والتجاذبات السياسية، تكشف شهادات العائدين حقيقة أكثر قسوة؛ فالكثير منهم لم يكن يهرب فقط نحو أوروبا، بل كان يهرب أيضاً من الإحباط والبطالة وضيق الأفق. وعندما سقطت أوهام “العبور السهل”، وجدوا أنفسهم أمام واقعين مؤلمين: واقع تركوه خلفهم، وآخر اكتشفوا أنه لم يكن سوى سراب.

ما بعد سبتة

قد تنتهي موجة العبور الجماعي، وقد يعود آلاف الشباب إلى مدنهم وقراهم، لكن الأسئلة التي فجرتها أحداث سبتة ستظل مفتوحة. فما جرى لم يكن مجرد محاولة هجرة جماعية، بل كشف عن أزمة أعمق تتعلق بتآكل الثقة في المستقبل، وسرعة انتشار الشائعات عبر المنصات الرقمية، وقدرة خطاب “الهروب” على إقناع آلاف الشباب بالمغامرة في ظرف ساعات.

كما أظهرت الأزمة أن الحدود ليست وحدها التي انهارت، بل سقطت أيضاً أوهام كثيرة. فمن اعتقد أن الوصول إلى سبتة يعني الوصول إلى أوروبا، وجد نفسه محاصراً داخل مدينة صغيرة لا تستطيع استيعاب هذا العدد الهائل من الوافدين، بينما تحولت أحلام “الفردوس الأوروبي” إلى معاناة يومية عنوانها الجوع والانتظار والعودة.

لكن السؤال الأهم لم يعد: كيف وصل هؤلاء إلى سبتة؟ بل أصبح: لماذا كانوا مستعدين للمخاطرة بكل شيء من أجل الوصول إليها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي تحقيقاً أوسع، يتجاوز الجانب الأمني والهجرة غير النظامية، ليفحص جذور الظاهرة في الداخل، ويبحث في علاقة البطالة واليأس والتفاوتات الاجتماعية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ومدى فعالية السياسات العمومية في استعادة ثقة الشباب.

فسبتة، في النهاية، لم تكن سوى مرآة عكست أزمة أكبر بكثير من حدودها الجغرافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى