
بين رواية الداخلية وواقع اليأس
حين تضطر وزارة الداخلية إلى إصدار بلاغ مطول لتفسير ما جرى عند حدود سبتة ومليلية، فإن القضية لم تعد مجرد محاولة هجرة جماعية، بل تحولت إلى أزمة وطنية تكشف حجم الشرخ بين المؤسسات وجيل فقد ثقته في المستقبل..
فالأرقام التي قدمتها الوزارة صادمة أكثر من الروايات المتداولة؛ إذ أكدت أن نحو 40 ألف شخص حاولوا الوصول إلى سبتة، إضافة إلى 1135 شخصاً اتجهوا نحو مليلية، وهي أعداد تجعل من الواقعة واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية التي عرفتها المملكة في السنوات الأخيرة.
“فيسبوك” ليس المتهم الوحيد… فمن صنع بيئة تصدق فيها الإشاعات؟
حمّلت وزارة الداخلية جزءاً كبيراً من المسؤولية للاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وانتشار الأخبار الزائفة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، إضافة إلى سوء فهم قرارات القضاء الإسباني المتعلقة بالإعادة الفورية للمهاجرين.. لكن هذا التفسير، رغم وجاهته الأمنية، يظل ناقصاً إذا أغفل السؤال الأكثر إيلاماً: لماذا أصبح عشرات الآلاف مستعدين لتصديق أي إشاعة تقودهم إلى البحر؟
فالإشاعة لا تتحول إلى قوة دافعة إلا عندما تجد أرضاً خصبة من الإحباط واليأس، ولو كان الأمل أقوى من الخوف، لما أقنعت منشورات على مواقع التواصل آلاف الشباب بالمخاطرة بحياتهم من أجل سبعين متراً من الماء.
الاقتصاد يرسل فواتيره… والشباب يدفع الثمن بأرواحهم
الهجرة غير النظامية ليست مجرد ملف أمني، بل نتيجة مباشرة لاختلالات اقتصادية واجتماعية متراكمة.. وتشير معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى استمرار مستويات مقلقة من البطالة، خصوصاً وسط الشباب وحاملي الشهادات، بينما يتسع الإحساس بعدم تكافؤ الفرص وارتفاع كلفة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
وعندما يشعر المواطن بأن سنوات الدراسة لا تمنحه وظيفة، وأن العمل لا يوفر حياة كريمة، يصبح البحر أقل رعباً من اليابسة، وهنا تتحول قوارب الموت إلى ما يشبه “مكاتب تشغيل عائمة”، ويصبح الغرق بالنسبة للبعض احتمالاً مقبولاً مقارنة بما يعتبرونه غرقاً يومياً في البطالة والهشاشة.
نجاح أمني… لكنه لا يعوض الفشل التنموي
أكدت وزارة الداخلية أنها اعتمدت مقاربة استباقية شملت تعزيز اليقظة الأمنية والمراقبة البرية والبحرية، معتبرة أن هذه الإجراءات مكنت من حماية الأرواح وتأمين الحدود واحترام مبدأ التناسب في التدخل.
ولا خلاف على أهمية حماية الحدود ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، لكن النجاح الأمني لا ينبغي أن يتحول إلى ستار يحجب النقاش الحقيقي، فالدولة التي تنجح في منع الناس من عبور البحر مطالبة أيضاً بالنجاح في منحهم أسباباً للبقاء، فالحدود يمكن إغلاقها بالدوريات، أما اليأس فلا تغلقه سوى التنمية والعدالة الاجتماعية.
عشرة غرقى… والرقم الذي يجب أن يخيف هو أربعون ألفاً
أعلنت الوزارة تسجيل 10 وفيات غرقاً وحالة وفاة عرضية بسبب السقوط من منطقة صخرية، مؤكدة أن الضحايا قللوا من خطورة المسافة البحرية التي لا تتجاوز سبعين متراً في بعض النقاط.
غير أن المأساة لا تختزل في عدد الضحايا فقط، بل في عدد الذين كانوا مستعدين للمقامرة بحياتهم، فالرقم الأكثر رعباً ليس أحد عشر وفاة، بل أربعون ألف مواطن رأوا في الضفة الأخرى أملاً أكبر من وطنهم، تلك ليست أزمة حدود، بل استفتاء اجتماعي صامت على السياسات العمومية، ورسالة قاسية مفادها أن أخطر ما يهدد الدول ليس من يهرب منها… بل الأسباب التي تدفع أبناءها إلى الهروب.





