
أنهى الاقتصاد المغربي النصف الأول من سنة 2026 على وقع مفارقة لافتة؛ فمن جهة، واصل العجز التجاري اتساعه بوتيرة مقلقة بفعل تسارع الواردات، ومن جهة أخرى، أظهرت المؤشرات المرتبطة بتدفقات العملة الصعبة قدرة على امتصاص جزء مهم من هذا الضغط، بفضل الأداء القوي لقطاع السياحة، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلى جانب استمرار صناعات السيارات والطيران في قيادة الصادرات.
الاقتصاد المغربي لا يزال يحافظ على جاذبيته الاستثمارية وقوة قطاعاته التصديرية
وتكشف معطيات مكتب الصرف الخاصة بالمبادلات الخارجية عند متم يونيو أن الاقتصاد المغربي لا يزال يحافظ على جاذبيته الاستثمارية وقوة قطاعاته التصديرية، غير أن ذلك لم يكن كافيا لمنع اتساع الفجوة التجارية مع الخارج.
فيما العجز التجاري يقترب من 200 مليار درهم بلغ العجز التجاري 198,38 مليار درهم خلال الأشهر الستة الأولى من السنة، بارتفاع قدره 23,5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، في مؤشر يعكس استمرار اعتماد الاقتصاد الوطني على الواردات لتلبية احتياجاته الإنتاجية والاستهلاكية.
فقد ارتفعت قيمة الواردات إلى 458,77 مليار درهم، بزيادة بلغت 15,3 في المائة، بينما لم ترتفع الصادرات سوى بنسبة 9,7 في المائة لتصل إلى 260,39 مليار درهم، الأمر الذي أدى إلى تراجع معدل تغطية الواردات بالصادرات إلى 56,8 في المائة.
تفاصيل الواردات توضح أن الزيادة شملت أساسا المنتجات الخام
وتوضح تفاصيل الواردات أن الزيادة شملت أساسا المنتجات الخام، والسلع الموجهة للاستثمار، ومنتجات الاستهلاك، وهو ما يعكس في الوقت نفسه تنامي النشاط الاقتصادي وارتفاع الطلب الداخلي، لكنه يزيد من الضغط على الميزان التجاري.
ورغم ذلك، واصل ميزان الخدمات تسجيل أداء إيجابي، إذ ارتفع فائضه إلى 80,03 مليار درهم، مستفيدا من النمو المتواصل لصادرات الخدمات التي تجاوزت 161 مليار درهم. ا.
السيارات والطيران..رهان صناعي ناجح
على مستوى الصادرات، حافظ قطاع السيارات على موقعه كأكبر مصدر للعملة الصعبة، بعدما بلغت صادراته 93,65 مليار درهم، بزيادة بلغت 17,4 في المائة.
ويؤكد هذا الأداء استمرار ترسخ الصناعة المغربية داخل سلاسل الإنتاج العالمية، خصوصا مع ارتفاع صادرات صناعة المركبات والأسلاك الكهربائية، وهو ما يعكس توسع القدرات الصناعية للمملكة.
بدوره، واصل قطاع الطيران تسجيل معدلات نمو قوية، بعدما ارتفعت صادراته بنسبة 19,3 في المائة لتبلغ 17,32 مليار درهم، مستفيدا من زيادة نشاط التجميع وصناعة أنظمة التوصيلات الكهربائية.
في المقابل، لم تستفد جميع القطاعات من هذا الزخم، إذ تراجعت صادرات النسيج والجلد، والإلكترونيات والكهرباء، إضافة إلى الفوسفاط ومشتقاته، بينما حققت الصناعات الغذائية والفلاحية نموا محدودا.
السياحة تعزز احتياطي النقد الأجنبي
يواصل قطاع السياحة لعب دور محوري في دعم التوازنات الخارجية للمملكة، بعدما ارتفعت عائدات الأسفار إلى 64,89 مليار درهم، بزيادة قاربت 16 في المائة. وبفضل النمو المحدود لنفقات المغاربة على السفر إلى الخارج، ارتفع فائض ميزان الأسفار إلى 48,8 مليار درهم، مسجلا نموا تجاوز 20 في المائة، وهو ما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على توفير احتياطيات إضافية من العملة الصعبة.
تحويلات الجالية… مصدر استقرار دائم
كما واصلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج منحاها التصاعدي، إذ تجاوزت 61,48 مليار درهم خلال ستة أشهر فقط، بزيادة بلغت 9,9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وتؤكد هذه الأرقام استمرار الجالية المغربية في لعب دور أساسي في دعم الاقتصاد الوطني، سواء عبر توفير العملات الأجنبية أو دعم الاستهلاك والاستثمار داخل المملكة.
فيما الاستثمارات الأجنبية تؤكد جاذبية المغرب ومن بين أبرز المؤشرات الإيجابية أيضا، ارتفاع صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 31,5 في المائة ليبلغ 26,16 مليار درهم، وهو ما يعكس استمرار ثقة المستثمرين في الاقتصاد المغربي رغم الظرفية الدولية.
في المقابل، سجلت الاستثمارات المغربية بالخارج ارتفاعا في وتيرة الإنفاق، بما يعكس توسع حضور الشركات المغربية خارج الحدود، وإن كان ذلك يرفع من حجم التدفقات المالية نحو الخارج.
بين قوة التدفقات الخارجية واتساع العجز
تكشف حصيلة النصف الأول من سنة 2026 أن الاقتصاد المغربي يسير على مسارين متوازيين؛ الأول إيجابي، تقوده السياحة، وتحويلات الجالية، والاستثمارات الأجنبية، والصناعات التصديرية ذات القيمة المضافة، والثاني يثير القلق، يتمثل في اتساع العجز التجاري بوتيرة متسارعة بسبب الارتفاع الكبير للواردات.
وسيظل التحدي الرئيسي خلال ما تبقى من السنة هو قدرة الاقتصاد الوطني على تعزيز صادراته وتنويعها، ورفع قيمتها المضافة، بما يحد من تفاقم العجز التجاري ويعزز متانة التوازنات الخارجية على المدى المتوسط.





